عندما يتكلم الطين بعد 4 آلاف عام:
الأشعة السينية تفتح أظرف بلاد الرافدين المغلقة

في إنجاز علمي يجمع بين سحر التاريخ وعظمة التقنية الحديثة، نجح فريق دولي من العلماء في قراءة رسالة طينية مسمارية يعود تاريخها إلى نحو 4,000 عام من دون كسر غلافها الطيني أو إلحاق أي ضرر بالقطعة الأثرية.
أظرف من طين.. كيف حفظ القدماء أسرارهم؟
قبل ظهور الورق والأظرف الحديثة بآلاف السنين، ابتكر سكان بلاد الرافدين نظامًا بريديًا لحماية خصوصية المعاملات والرسائل. كان الكاتب يخط النصوص المسمارية على لوح طيني رطب، وبعد أن يجف اللوح، يُغلف بطبقة أخرى من الطين تُسمى “الظرف الطيني” وتُختم بأختام أسطوانية تضمن عدم العبث بالمحتوى.
وكان فتح هذه الرسائل يتطلب كسر الغلاف الخارجي، وهو ما شكل تحديًا كبيراً لعلماء الآثار على مدار عقود؛ إذ إن فتح الظرف بالطرق التقليدية كان يعني تدمير الغلاف الخارجي وما يحمله من أختام وقيم أثرية.
مشروع “إنسي” (ENCI): التكنولوجيا في خدمة علم الآثار
لحل هذه المعضلة، طور فريق بحثي مشترك من جامعة هامبورغ ومركز DESY للأبحاث في ألمانيا ماسحًا مقطعيًا محمولاً يعتمد على الأشعة السينية عالية الطاقة يُدعى ENCI.
كيف تعمل التقنية؟ يقوم الجهاز بمسح الغلاف الطيني من الخارج بأشعة سينية دقيقة ذات قدرة اختراق عالية.
الإعادة الرقمية: تُحلل البرامج المتقدمة الفروق في كثافة المواد بين اللوح الداخلي والغلاف الخارجي، لتعيد بناء النص المسماري ثلاثي الأبعاد افتراضيًا على الشاشة.
ماذا قالت الرسالة بعد 40 قرنًا من الصمت؟
عند تطبيق هذه التقنية في متاحف عالمية مثل اللوفر بباريس ومتحف حضارات الأناضول، كشفت الأشعة عن تفاصيل إنسانية واقتصادية دقيقة:
رسالة السيدة “آنا-آنا”:
كشفت إحدى الرسائل عن خطابات موجهة من امرأة تُدعى “آنا-آنا” إلى زوجها التاجر “إينوم-آشور”. تخبره فيها بمتابعة شؤون الأسرة وتحصيل ديون مالية (كمية من الفضة) من شخص يدعى “لاكيبوم” أثناء غياب الزوج في رحلة تجارية؛ مما يسلط الضوء على الدور الاقتصادي والإداري البارز للمرأة في مجتمعات بلاد الرافدين.
عقد دين وبذرة شعير:
في وثيقة أخرى، كشفت الأشعة المقطعية عن وجود مادة عضوية محبوسة داخل الظرف الطيني، وتبين أنها بذرة شعير بقيت محفوظة لمستس مع عقد قرض قديم، مما يفتح أفقاً جديداً لفهم البيئة والزراعة في تلك العصور.
نافذة جديدة على التاريخ
لا يقتصر هذا النجاح على فك رموز رسالة واحدة، بل يمهد الطريق لقراءة آلاف الأظرف والكتل الطينية المكتشفة والمحفوظة في المتاحف العالمية دون المساس بها. يثبت هذا الاكتشاف أن الطين الذي طُبعت عليه أولى كلمات البشرية لا يزال يحمل أسرارًا تفصح عنها التكنولوجيا الحديثة حجرًا بحجر وحرفًا بحرف.
المصدر
موقع بوبيولر ميكانيكس


