
كتبت: مريم مكي
خلال زيارتي للجزائر، ضمن وفد الاتحاد العربي للإعلام السياحي، وبدعوة كريمة من وزيرة الثقافة والفنون ، كانت مدينة جانيت محطة للتعرف على موروث ثقافي تتجلى فيه صلة الإنسان بالصحراء. وبين الكثبان الذهبية وصخور التاسيلي، استوقفني الزي التارقي التقليدي بما يحمله من جمال وخصوصية، وما يرويه من حكايات الهوية والانتماء.

في جانيت، تتكامل تفاصيل المكان مع ملامح الحياة اليومية لأهله. وتظهر هذه العلاقة بوضوح في أزيائهم التي تجمع بين الذوق الجمالي ومتطلبات العيش في بيئة صحراوية، حافظ سكانها على كثير من تقاليدهم المتوارثة.


يلفت الرجل التارقي الأنظار بلثامه الذي يلفه بعناية حول الرأس والوجه، فيمنحه حضوراً مميزاً ويؤدي دوراً عملياً في الحماية من أشعة الشمس والرياح والرمال. ويحمل اللثام أيضاً دلالات اجتماعية وثقافية ترتبط بالوقار والهوية. وقد ارتبطت الأقمشة المصبوغة بالنيلة بلقب «الرجال الزرق»، لما قد تتركه صبغتها من أثر على البشرة.
ويكتمل هذا المشهد بالأردية الواسعة والفضفاضة، ومنها القندورة الصحراوية، التي تتيح حرية الحركة وتساعد على التكيف مع حرارة المناخ. وفي بساطة هذه الملابس وطريقة ارتدائها، تتجلى خبرة متوارثة في التعامل مع طبيعة المكان.
أما المرأة التارقية، فتمنح المشهد حضوراً آخر من خلال الملحفة التي تنساب حول الجسم، بألوان متنوعة تضيف إلى فضاء الصحراء حيوية وجمالاً. وتكشف طريقة ارتدائها وتنسيقها عن ذائقة تحافظ على خصوصيتها وتنتقل بين الأجيال.

وتكتمل أناقتها بالحلي الفضية المصنوعة يدوياً، من أقراط وأساور وقلائد، تحمل زخارف ورموزاً متوارثة. وتبرز في هذه القطع مهارة الصاغة المحليين، الذين يحفظون جانباً من الذاكرة الثقافية للمنطقة عبر تفاصيل دقيقة تستحق التأمل والتوثيق.

أسعدني أن أتعرف عن قرب على هذا الموروث في جانيت ومنطقة التاسيلي؛ ففي كل قطعة لباس وحلية جانب من تاريخ المجتمع وأساليب تأقلمه مع بيئته. وقد تركت هذه التجربة في ذاكرتي صوراً تجمع جمال الصحراء ودفء أهلها، وعمقت تقديري للزي التقليدي بوصفه تعبيراً حياً عن هوية تستحق الحفظ والتعريف بها.




