
حين تُرمَّم واجهة قديمة في بغداد، فإن المدينة تستعيد أكثر من شكل مبنى؛ تستعيد شاهداً على حياة مرت من هنا، وعلى أسواق ومكتبات ومؤسسات صنعت ملامح مركزها التاريخي. بهذه الفكرة يمضي مشروع «نبض بغداد» في تأهيل شوارع المدينة القديمة ومبانيها، سعياً إلى حماية تراثها الحضاري المادي وإعادة النشاط إلى أماكن ظلّت، رغم ما أصابها من إهمال، جزءاً من ذاكرة العراقيين اليومية.
انطلقت المرحلة الأولى من شارع المتنبي، الذي ارتبط بالكتاب والفعاليات الثقافية. ثم امتدت المرحلة الثانية إلى شارع السراي ومحور القشلة باتجاه ساحة الميدان، لتربط هذه المواقع في مسار تاريخي يمكن للزائر أن يتجول فيه ويتعرّف إلى عمارة بغداد القديمة. وافتُتحت المرحلة الثانية بعد إنجاز أعمال التأهيل في هذا المحور.

وفي السراي، حيث تضم المنطقة مباني تراثية يعود بعضها إلى العهد العثماني، اتخذ العمل طابعاً يتطلب عناية بالتفاصيل. شملت الأعمال تأهيل 16 مبنى تراثياً، بينها القشلة ومبانٍ ارتبطت بإدارة بغداد في مراحل مختلفة، إلى جانب معالجة الأجزاء المتضررة وإزالة التشوهات البصرية وتوحيد واجهات المحال واللافتات. كما أُنجزت أعمال في أرضيات الشوارع والإنارة، ووُضعت تمديدات كهربائية تحت الأرض. وبحسب القائمين على المشروع، استُخدمت صور قديمة مرجعاً لبعض أعمال الترميم حفاظاً على ملامح المباني الأصلية.
وتظهر أهمية هذه الأعمال في حماية مبانٍ كانت بعض أجزائها مهددة بالتدهور، وفي إظهار قيمتها للناس من جديد. فالتراث المادي ليس واجهات للفرجة فحسب؛ إنه نسيج الشارع وأقواسه وأبوابه وساحاته، وما تمنحه هذه العناصر مجتمعة لبغداد من هوية يصعب تعويضها إذا فُقدت. وقد شارك في أعمال المرحلة الثانية مهندسون وفنيون وحرفيون عراقيون.

أما المرحلة الثالثة فتتجه إلى شارع الرشيد، أحد أشهر شوارع العاصمة وأكثرها ارتباطاً بتاريخها الحديث. وأُعلنت خطة لترميم 72 مبنى على امتداده، مع تأهيل بنيته التحتية والحفاظ على طابعه المعماري. وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2025، أعلنت أمانة بغداد مباشرتها بتأهيل أربع بنايات تراثية في الشارع لتكون نموذجاً لأعمال التطوير. وتظل الخطط الأوسع للرشيد مراحل عمل تُقاس بما يُنجز منها على الأرض؛ فلا يصح عدّ المباني المستهدفة جميعها مبانيَ مكتملة الترميم.
ويرى القائمون على المبادرة أن إعادة الحياة إلى هذه المواقع ترتبط أيضاً بعودة الزوار والأنشطة الثقافية والتجارية إليها. وقد تحدثت رابطة المصارف الخاصة العراقية عن أثر تأهيل المتنبي والسراي في جذب الناس وتنشيط المنطقة، ضمن تعاون يجمع الجهات الحكومية والقطاع المصرفي والمختصين بالتراث والعمران.

وفي حديث منشور عن رؤية المشروع، وصف رجل الأعمال العراقي وديع الحنظل، رئيس رابطة المصارف الخاصة العراقية وعضو لجنة مبادرة «نبض بغداد»، شارع الرشيد بأنه «ذاكرة حية لتاريخ بغداد ونافذة ثقافية تعكس الحضارة العراقية».
وأكد أن تأهيله سيعيد إليه حيويته وجهةً للسياحة والثقافة، ويسهم في تحسين صورة العراق لدى زواره. وتتطلع المبادرة إلى رؤية عمرانية أشمل للمدينة القديمة، تصل شارع الرشيد بالميدان والمتنبي والمناطق التاريخية المجاورة، وتحافظ على هوية بغداد وهي تهيئ شوارعها لاستخدامات الحاضر. إن نجاح «نبض بغداد» على المدى الطويل سيظهر حين تبقى المباني المصونة مأهولة، والأسواق عامرة، والشوارع مفتوحة للناس؛ عندها لا تستعيد بغداد رونق واجهتها القديمة وحده، بل تستعيد الحياة التي منحتها ذلك الرونق منذ البداية.




