كي لا تصبح الذاكرة غريبةً عن أبنائها .. الإعلام التراثي ومسؤولية حفظ موروث الأمم
تفقد الأمم شيئاً من معرفتها بنفسها حين تختفي حكاياتها، وتُنسى أسماء أمكنتها، وترحل الأجيال التي تحمل تفاصيل حياتها دون أن تجد من يصغي إليها ويوثّق شهادتها.
فالتراث يتجاوز المباني القديمة والمقتنيات النادرة؛ إنه أيضاً طرائق العيش والعمل، واللهجات والأغاني، والحرف والعادات، وما اختزنته المجتمعات من خبرات ومعانٍ عبر الزمن. ومن هنا تأتي أهمية الإعلام التراثي بوصفه عملاً معرفياً وثقافياً يصل الناس بذاكرتهم، ويمنح هذه الذاكرة فرصة البقاء والتداول.
تبدأ مسؤولية هذا الإعلام من إدراك أن بعض الخسارات لا يمكن تعويضها. فرحيل حرفيّ قد يعني ضياع معرفة لم تُدوَّن، وهدم بيت قد يمحو تفاصيل معمارية واجتماعية لا تختصرها صورة لواجهته، وإهمال ألبوم عائلي قد يبدّد شواهد نادرة على تحوّلات مدينة كاملة. لذلك تصبح المقابلة المسجّلة، والصورة الموثّقة، والفيلم التسجيلي، والتحقيق الميداني، وسائل لحفظ مادة قد يحتاج إليها باحث أو جيل لم يولد بعد.

رياض الجابر – إعلامي ومؤرخ – العراق
لكن التوثيق يكتسب قيمته من دقته. فالصورة التي تُنشر دون تحديد مكانها وزمانها ومصدرها قد تنتشر كثيراً، وتبقى فائدتها المعرفية محدودة. والرواية الشفوية تستحق الإصغاء والحفظ، مع مقارنتها بالشهادات والوثائق المتاحة، والتصريح بما يظل موضع اختلاف أو شك. إن احترام التراث يقتضي التمييز بين الواقعة المثبتة، والذاكرة الشخصية، والحكاية الشعبية؛ ولكل منها قيمتها حين تُقدَّم في سياقها الصحيح.
وهنا يبرز الفرق بين استثارة الحنين وصناعة المعرفة. تستطيع صورة قديمة أن توقظ مشاعر عميقة، لكن دور الإعلام التراثي يتسع حين يسأل: كيف عاش أصحابها؟ ماذا كانوا يعملون؟ كيف تشكّلت علاقاتهم؟ ولماذا تغيّر المكان؟ يصبح الحنين عندئذ مدخلاً إلى الفهم، بدلاً من الاكتفاء بتصوير الماضي زمناً مثالياً خالياً من المشكلات. فالموروث تجربة إنسانية تستحق قراءة واعية، بما فيها من إبداع وتناقض وتحول.
ويؤدي الإعلام التراثي دوراً أساسياً في توسيع الذاكرة العامة. فتاريخ الأمم لا تكتمل صورته بأخبار الحكّام والمعارك والمعالم الكبرى وحدها؛ ثمة تاريخ تحفظه البيوت والأسواق والمدارس والمقاهي، وتصنعه النساء والحرفيون والمعلمون والمزارعون وسائر الناس في حياتهم اليومية. وإتاحة المجال لهذه الأصوات، ولتنوع البيئات والثقافات داخل المجتمع، تجعل الانتماء أكثر عمقاً واتساعاً، وتحول دون اختزال هوية الأمة في رواية واحدة.
أما صلة الأجيال الجديدة بموروثها، فتحتاج إلى لغة تحترم فضولها ووسائل تلقيها. يمكن لفيلم قصير متقن، أو خريطة تفاعلية، أو تسجيل لحرفة مهددة بالاندثار، أن يفتح باباً إلى معرفة أوسع. وتتحقق الفائدة حين تقود جاذبية العرض إلى محتوى موثوق، وحين تقترن سهولة الوصول بحفظ الأصول، وفهرستها، وصون حقوق أصحابها. فالنشر يعرّف الناس بالمادة، والأرشفة المنظمة تضمن إمكان الرجوع إليها.
وتبقى الحماية الأعمق مرهونة بعلاقة الناس بتراثهم. حين يعرف أبناء مدينة قيمة بيوتها القديمة، ويفهمون تاريخ أحيائها ومهنها، يصبحون أقدر على المطالبة بصونها والمشاركة في توثيقها. بهذه الصلة يتحول الإعلام التراثي إلى مسؤولية مشتركة بين الإعلامي والباحث والمؤسسة وأصحاب الذاكرة أنفسهم.
إن نجاح الإعلام التراثي يُقاس بما ينقذه من النسيان، وما يصححه من معلومات، وما يتيحه من معرفة يمكن الوثوق بها والبناء عليها. وأجمل ما ينجزه أن يجعل الأجيال المقبلة قادرة على التعرف إلى ملامحها في وجوه من سبقوها، وقراءة تاريخها بوعي ومحبة، دون أن تصبح غريبة عن ذاكرتها.
