تتجلى في شهر رمضان المبارك روح التراث التي لا تموت، حيث تستعيد الذاكرة الجمعية مظاهر البساطة والتلاحم التي عاشها الآباء والأجداد.
وفي هذا الإطار، يضيء الباحث التراثي وعضو فريق “اكسبو 965” فهد المعيوف الشمالي صفحات مطوية من تاريخ الكويت الجميل، مسترجعاً تفاصيل رمضانية تشهد على أصالة التراث وعمق قيم المجتمع المعطاء.
الفرضة ودق الهريس.. بشائر الاستعداد
يبين الباحث فهد المعيوف كيف كانت تبدأ استعدادات رمضان قديماً منذ شهر شعبان، حيث تشهد “الفرضة” حركة تجارية دؤوبة مع وصول المراكب والسفن القادمة من الهند والبصرة ودبي والبحرين ومسقط، محمّلة بالمؤن والمواد الغذائية. وكان لأصوات “دق الهريس” بأغانيها المعهودة وقع خاص يبشر بقدوم الشهر الفضيل، إلى جانب التفنن في تبليغ أهل القرى والجزر الكويتيّة عبر الفرسان للتحقق من رؤية الهلال.
النقصة والتكافل الاجتماعي
يبرز المعيوف مفهوماً راقياً للتكافل من خلال أطباق “النقصة”؛ إذ يتشارك الجيران والأقارب أشهى الوجبات الرمضانية قبل أذان المغرب. كما يسلط الضوء على الدور التربوي والاجتماعي الذي كان يضطلع به الناشئة والأطفال قديماً، من تبادل الصحون بين البيوت، وإصلاح وترتيب المساجد، وصولاً إلى الاعتكاف وختم القرآن الكريم.
بهجة القرقيعان والألعاب الشعبية
لم تكن الالعاب قديماً مجرد وسيلة للترفيه، بل كانت أداة لترسيخ الروابط الاجتماعية والألفة بين أبناء الفريج الواحد. ويستذكر الباحث ألعاباً شعبية مثل “عظيم ساري”، “عنبر”، و”المحيبس” التي غابت أمام طغيان الشاشات الحديثة. وفي ليالي القرقيعان (13 و14 و15 رمضان)، كان الأطفال يجوبون الأزقة بملابسهم التراثية وبساطتهم العفوية مقترنين بأصوات الطبول والدفوف.
سوق التمر والديوانية.. ذاكرة لا تُنسى
يحتل “سوق التمر” في المباركية مكانة بارزة في الذاكرة التراثية، حيث يعتبر التمر (كالبرحي والإخلاص) سيد المائدة الرمضانية وفكهتها. وفي المساء، تتحول الدواوين بعد “الغبقة” إلى مدارس مفتوحة يستعرض فيها النواخذة والبحارة قصص سفرهم ومغامراتهم البحرية، ليتعلم منها الشباب أصول الحكمة والصبر والتعامل مع البحر.
تأتي قراءة الباحث التراثي فهد المعيوف لتؤكد أن التراث ليس مجرد ذكريات من الماضي، بل هو هوية وأصالة يجب الحفاظ عليها ونقل أمانتها إلى الأجيال القادمة لتظل قيم التلاحم والمحبة حاضرة في حياتنا المعاصرة.
