في حقبة ما قبل التكنولوجيا، لم تكن التجارة في الكويت مجرد صفقات تجارية جافة، بل كانت تجسيداً لعلاقة إنسانية واقتصادية متينة ومتكاملة بين مجتمعين رئيسيين: أهل الحاضرة في المدينة (“الديرة”) وأهل البادية.
كان هذا النظام التكافلي يُعرف باسم “المساب”، وهو نظام قائم على تبادل المنافع والسلع وفقاً لاحتياجات كل طرف والمواسم الطبيعية.
كان فصل الربيع هو الموسم الأهم لعملية “المساب”. فمع خضرة المراعي، يبدأ أهل البادية بالتدفق نحو المدينة، حاملين معهم خيرات صحرائهم التي أنتجوها بجهد وصبر، ومن أبرزها السمن العربي الأصيل، والفقع (الكمأة) الذي يعتبر من الأطعمة المحببة، بالإضافة إلى الأغنام والمواشي.
في المقابل، كان تجار الكويت في “الديرة” يستعدون لاستقبال هذه القوافل، ويوفرون لأهل البادية كل ما يحتاجونه من مستلزمات الحياة التي لا تتوفر في الصحراء.
وكان من أهم السلع التي يقدمونها: الأقمشة بمختلف أنواعها، والمواد الغذائية المستوردة من الخارج كالأرز والسكر والتمر، والأدوات المنزلية، والأسلحة ومستلزمات الصيد.
لم تكن هذه العملية تقتصر على التبادل المادي فحسب، بل كانت فرصة للتواصل الاجتماعي وبناء الثقة وتعزيز الروابط القبلية والأسرية. فقد كان التجار وأهل البادية يعرفون بعضهم البعض، وتقوم علاقاتهم على الاحترام المتبادل والمصلحة المشتركة، مما جعل من “المساب” نموذجاً فريداً للاقتصاد الاجتماعي القائم على التضامن والتكافل.
المصدر
الباحث التراثي فهد معيوف الشمالي -دولة الكويت
