الجمعة 1448/04/21هـ (02-10-2026م)
الأخبارالمركز الإعلامي

محطة “مار مخايل”

 تستعيد ألقها كمنتزه للتراث الصناعي في بيروت

في قلب منطقة “مار مخايل” البيروتية، حيث تلتقي حيوية المدينة بعبق تاريخها المعماري، تقف محطة القطار التاريخية شاهدةً على حقبة طلائعية من تاريخ لبنان الحديث. لم تكن هذه المحطة مجرد نقطة توقف في شبكة السكك الحديدية، بل كانت يوماً القلب النابض الذي يربط العاصمة بالداخل اللبناني وبالجوار الإقليمي، ومحركاً أساسياً للنمو الاقتصادي والصناعي في البلاد.
اليوم، وبدلاً من أن تُطوى هذه الصفحة تحت ركام النسيان أو الإهمال، يشهد الموقع مشروعاً استثنائياً لإعادة التأهيل والترميم، يهدف إلى إحياء هذا المعلم الثقافي والصناعي وتحويله إلى “منتزه للتراث الصناعي”، ليعاد فتح أبوابه أمام الناس والمجتمع كفضاء عمومي حيوي يجمع بين التاريخ والمستقبل.
ترميم الذاكرة.. حجر بحجر وشق بشق
تتميز أعمال الترميم الجارية في المحطة بمنهجية دقيقة تحتفي بالتاريخ ولا تمحوه؛ فكل أثر، وكل شق في جدران المباني القديمة، وكل طبقة طلاء متآكلة على عرباتها وهياكلها، يروي فصلاً من حكاية قطارات لبنان. وبدلاً من طمس هذه الشواهد الزمنية أو استبدالها بملامح حديثة تفقد المكان روحه، يعمل فريق متخصص في الحفاظ على التراث —يضمّ نخبة من المرمِّمات الماهرات— بعناية فائقة وصبر على صيانة هذه الأجزاء وتثبيتها.
إنها عملية تشبه “الجراحة التراثية”، حيث تُحترم المادة الأصلية للمكان، وتُبرز علامات الزمن كجزء من قيمته التاريخية والجمالية، مما يضمن نقل الحكاية الأصلية كما هي إلى الأجيال القادمة.


شراكة دولية ومحلية لإعادة الحياة
يأتي هذا المشروع الحيوي بتمويل كريم من الحكومة الإيطالية عبر الوكالة الإيطالية للتعاون الإنمائي (AICS)، وتنفيذ مشترك بين منظمة اليونسكو (UNESCO) وبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (UN-Habitat)، وبالشراكة مع الجهات الوطنية اللبنانية المعنية كـ وزارة الثقافة ومصلحة السكك الحديدية والنقل المشترك.
تتعدى أهداف المشروع البُعد المعماري المباشر؛ فهو لا يقتصر على إنقاذ المباني والعربات الأثرية من التلف، بل يسعى إلى:
خلق المساحات الخضراء والعامة: تحويل حَرَم المحطة إلى منتزه مفتوح يُتاح لجميع المواطنين والزوار.
ربط المجتمع بالتاريخ الصناعي: تقديم تجربة ثانوية وتعليمية تُعَرِّف الأجيال الناشئة بالدور الريادي الذي لعبته السكك الحديدية في تطوير لبنان.
تعزيز التضامن المجتمعي: إحياء ذاكرة جماعية مشتركة تجمع اللبنانيين حول معلم ثري بالدلالات الوطنية.
المساحات العامة كمتنفس للمدينة
تفتقر مدينة بيروت إلى المساحات الخضراء والعمومية الشاملة، ومن هنا تكمن الأهمية الاستثنائية لمشروع محطة مار مخايل. إذ إن تحويل هذا الفضاء الصناعي المهجور إلى “منتزه للتراث الصناعي” يمنح المنطقة وأهلها رؤية جديدة قائمة على الاستدامة والتواصل الاجتماعي.
إن إعادة التأهيل هذه ليست مجرد تحسين للمظهر العمراني، بل هي رسالة أمل تؤكد أن التراث هو الرافعة الأساسية للتعافي الاقتصادي والاجتماعي. فبين حديد القطارات الصادئ الذي يستعيد بريقه، وجدران المحطة التي تعود للحياة، يُعاد صياغة عقد جديد بين بيروت وذاكرتها المضيئة… من أجل الشعوب، وإحياءً للذاكرة الوطنية المشتركة.

المصدر

اليونسكو

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى