رياض الجابر – إعلامي ومؤرخ – العراق
في زحمة الحياة المعاصرة وتغير إيقاعها، لا نزال نحتاج إلى التوقف عند تلك المحطات الدافئة التي اعتادت فيها جداتنا وأمهاتنا الطيبات في مدينة تكريت العراقية، في الماضي الجميل، على إلقاء النصيحة بطيب القول. لم تكن أحاديثهن مجرد كلمات عابرة، بل هي لعمري نصائح ووصايا بمثابة دساتير مصغرة، نشأت في مجتمع عريق يُقدر عالياً قيمة التقاليد والعادات، ويقف طويلاً عند مفهوم “العيب” كسياج أخلاقي واجتماعي يحفظ للفرد أصالته وللأسرة تماسكها.
هذه الوصايا هي نتاج تجارب طويلة أكسبتها صروف الدهر ومحن الأيام وقار الحكمة والموعظة الحسنة. لقد كانت بحق شموعاً أنارت النفوس، وأصبحت في خزين الضمير منهجاً وحياة، نستقرئ من خلالها أبلغ المعاني في الحث على كل ما هو خيّر وشريف، والنهي عن كل ما هو مبتذل.
وفيما يلي نستعرض لمحات من تلك الحِكم التكريتية الأصيلة، بلهجتها المحببة، مع ذكر معانيها والمواضع التي تُقال فيها:
أولاً: الحث على العمل والاعتماد على الذات
كانت الجدات في تكريت يدركن أن الحياة تتطلب الصلابة والسعي، فصغن أمثالاً تحث على نبذ الكسل والاتكال على الآخرين:
-
(الميشلعو الشوكو بيدو… محد يشلعلوا)وتعني: من لا يقلع شوكه بيده، لن يجد من يساعده في ذلك. وتُقال في موضع الحث على تجاوز الصعاب والاعتماد على النفس لبلوغ المرام.
-
(الميفتحو الزنبیلو… محد يعبيلو)وتعني: من لا يفتح سلة رزقه بنفسه، لن يجد من يطعمه! ويُضرب هذا المثل للحث على السعي في طلب الرزق وعدم الاتكال على الغير.
-
(أتعبه الغجلي… ولا أتعبو القلبي)وتعني: أتعب أقدامي خيراً من أن أتعب فكري. وتُقال في السعي لأداء الأعمال المهمة وإنجازها بالاعتماد على النفس، وعدم تركها لتقلبات الأيام وما يرافق ذلك من هم وقلق.
-
(من قلة تدابيره حنطته تأكل شعيره)ويعني: أن الفلاح الكسول الذي لا يتدبر بحال حقله ولا يستعد جيدا لبذار قمحه سلفاً، سيخسر بذاره وقوت يومه وعياله بسوء إدارته.
ثانياً: الوقار، الأخلاق، وحكمة الحياة
كان بناء الشخصية وحفظ ماء الوجه ومراعاة “العيب” يشغل الحيز الأكبر من حِكم الجدات:
-
(التربيه أحسن من الولد)ومعناها عميق وواضح؛ ويُضرب في التأكيد على أن تربية الولد على الخُلق القويم خير من إنجاب الولد نفسه. فما فائدة الإنسان بلا خُلق قويم؟ كأنه لا وجود له، فجوهر الإنسان يكمن في خلقه وطبعه.
-
(الحجاغه بمكانا ثقيله)ويعني: ثقل الحجر في الثبات بمكانه. ويُقال للحث على الوقار، والرزانة، واحترام الذات، فالمرء يفرض احترامه بثباته ومكانته.
-
(الغجل الخفت… لوزلت لو سمعت كلام المعجبا)وتعني: القدم التي تحيد عن الطريق القويم وتخف في خطواتها المتهورة، تؤدي بصاحبها إما إلى ارتكاب المعاصي أو سماع ما لا يرضيه، مما يهوي بسمعته إلى الحضيض. ويُضرب في الدعوة للوقار واحترام النفس، وعدم الانصياع خلف ضباب المغريات.
-
(من يدي على أيدي… سموني جريح ايدي)وتعني: جرح يدي سببته بيدي. ويُقال لمن أتى بالأذى لنفسه بنفسه نتيجة سوء اختياره، فمن يلوم غيرها؟
ثالثاً: وصايا العفة والحشمة للفتيات
في مجتمع يضع السمعة في ميزان من ذهب، لم تغفل الجدات عن تقديم وصايا دقيقة للفتيات منذ نعومة أظفارهن وقبل أن يشب عودهن، لحمايتهن من أي تصرف قد يُحسب عليهن كـ “عيب”:
-
(البنيته عدوه ديلا)ويعني: أن عدم احترام الفتاة لحشمتها وهي تسير في الشارع هو سبب مباشر لأن تخسر سمعتها وعفتها، فتظل كالجدار المائل يحيد عنه ويتجنبه كل من يراه.
وكانت الأم تردد على مسامع ابنتها وصايا تبدو في ظاهرها صارمة، لكنها تمثل درعاً اجتماعياً يحميها، فتقول لها:
“إذا أحد (قَح) وغاكي… لا تلتفتين!أذا أحد وقع وغاكي… لا تلتفتين!اذا أحد صاح وغاكي… لا تلتفتين!حتى لا يقولون خفيفة!!”
وبهذه الكلمات كانت تُعلم ابنتها قائلة: يا ابنتي، لو مشيتِ في الدرب، فسعل أحد خلفكِ، أو وقع، أو صاح… فلا تلتفتي أبداً. لأنك إن فعلت ذلك، سيقول الناس عنكِ بأنكِ بنت غير محترمة و”خفيفة”، وقد يلصقون بكِ العيب فتصير سمعتكِ في مهب الريح!
إن هذه الحِكم والأمثال التكريتية لم تكن مجرد ترف لفظي، بل كانت منظومة تربوية متكاملة صاغتها أمهاتنا وجداتنا بعناية لترسيخ الهوية الاجتماعية. لقد كانت هذه الكلمات حارساً أميناً على الأخلاق، تعكس روح مدينة أصيلة أدركت مبكراً أن بناء الإنسان من الداخل هو الضمانة الحقيقية لبناء مجتمع متماسك يحترم ماضيه ويحفظ مستقبله.
