رياض الجابر – مؤرخ وإعلامي – العراق
رغم أن الحياة التي عاشها أجدادنا بتكريت حتى أوائل الستينات من القرن الماضي كانت في غاية البساطة والتقشف بفعل الواقع الاقتصادي الضعيف الذي كان القاسم المشترك بين العراقيين في كل المدن ، إلا أن المرأة التكريتية العصامية المجبولة على الكدح والعمل الشاق جنباً الى جنب مع زوجها وأخيها وإبنها أثبتت أنها نموذج متفرد للمرأة الحرة الواثقة بدورها في الحياة ، فرغم ما كانت تكابده من أعمال يومية قاسية فرضتها عليها طبيعة الحياة آنذاك إلا أنها ظلت حريصة على أن تكون جميلة ترفل بالوداعة والشاعرية والإحساس ، فمنذ الساعات الأولى للصباح تجدها قد شدت نطاقها بكل عزم لبداية يوم جديد تمارس فيه طقوسها المعتادة في تنظيف الدار البسيط التي تعده مملكتها وإعداد الطعام بكل تدبير ومهارة ( رغم ندرته ) وهي السند الأمين لزوجها المكافح في ميدان عمله لتستعد بعد ذلك مع الأخريات من قريناتها لإكتيال الماء من نهر دجلة وهي تحمل ( الصفرية النحاسية ) الثقيلة على كتفها جيئة وذهاباً لنقل الماء الذي ستستخدمه لاحقاً للشرب وطهي الطعام ، لتكون لها عودة أخرى الى النهر عصراً لتنظيف الملابس وغسلها ، تلك الملابس الثقيلة التي يكون الصوف والقطن مادتها الخام عادة فكيف بمن تغسلها وتعصرها وتحملها كل تلك المسافة البعيدة ..!!
وهي الموكلة بخبز عيالها عبر ( التنور الطيني ) الذي تتباهى النسوة الأخريات بسعته حتى يقلن في وصفها باللهجة التكريتية ( غيفا ميطلع من التنيغ ) أي أن رغيفها لايكاد أن يخرج من فوهة التنور لسعته ، وهي الموكلة بشراء الصوف وغسله وصبغه وتحويله الى خيوط دقيقة تنسجها أصابعها الناعمة عبر ( الدوك)* لتنقله فيما بعد الى الحاكة المنتشرين في المدينة ليصنعون منه البسط والسجاد و( الفجه )* و( والبشكير )* وغيرها ليعلوا في كل موسم ماتمتلكه العائلة من تلك الفرش الملونة الجميلة التي ترصفها بإتقان عجيب فوق ( بساط الصنديق )* .
وهي الحريصة ( رغم أنها لم تنل قسطاً من التعليم ) على متابعة أحوال أبناءها وبناتها في مذاكرة الدروس وتهيئة الأجواء الملائمة لهم حاثة إياهم على ذلك بكل عزم ، وهي تضع إبنها الرضيع في حضنها لتنشد له أحلى الأغنيات في زمن لم يكن فيه وجود للماء الساخن ولا الثلاجة ولا الكهرباء أصلاً ..!!
لا أقول إن تلك الصور هي للمرأة التكريتية حسب ولكنها كانت مثلما وصفت لكم وأكثر من ذلك ، ورغم كل تلك المهام الثقال ظلت المرأة التكريتية مرآة لزوجها ، لتجعل بيتها واحة وارفة للمحبة والطهر والنقاء ، فتجدها حريصة على أن تكون أميرة في ملبسها ونضارتها وجوهرها ، ولعل الكثير منا لايعرف كيف كانت تلك المرأة العصامية تحافظ على زينتها وجمالها وهو ما سأتحدث عنه .
كانت أدوات الزينة بسيطة في تركيبها ومحتواها رغم غرابة المكونات التي تستخدم في صناعتها وتستخدمها النسوة حتى زمننا هذا ومنها :
الصابون : كان الصابون مكوناً من ( الحمص المطحون ناعماً ) وهو يعطي الوجه نظارة ولمعاناً وبياضاً .
كريم التجميل : شاع في تلك السنوات البعيدة إستخدام مادة يطلق عليها ( يوسف الحسن ) وهو مسحوق ناعم يمنح الوجه لوناً زهرياً فاتحاً .

الكحل : ويتم إعداده من قبل المرأة في البيت عادة ويتكون من ( سبع من أعواد ( الطرفاء ) وكحل خام ( على هيئة كتل صخرية ) تسخن مع التقليب على نار هادئة ثم تطحن تلك المحتويات وتوضع في ( كيس صغير من الخام ) و يستخدم غصن ( الطرفاء ) للتكحيل بعد ترطيبه بطرف اللسان ، ثم شاع لاحقاً استخدام المكحلة البرونزية التي كان يجلبها حجاج بيت الله الحرام كهدايا.
قطن أحمر : وهو نوع من القطن الملون يتم ترطيبه وتمسح به الخدود ليمنحها لوناً زهرياً .
السبداج : ويصنع من قشور البيض المطحون ويستخدم للتبييض .
الروائح : كانت النسوة التكريتيات حريصات على إستخدام الروائح العطرية الجافة والتي تصنع على شكل مسحوق وتسمى ( غيحه دق ) وتتكون من الزهور المجففة وبعض الأعشاب العطرية ومنها ( القرنفل والمسك والسعد (بكسر السين والعين ) والخضيرة وعفشة العجوز والورد الجوري ، تطحن تلك المواد ناعما حسب الرغبة وتوضع في ( كيس صغير من الخام أو عبوة زجاجية ) وتسمى ( رشوش ) تنثر المرأة منها على ملابسها وفوطتها ولها رائحة مذهلة تضاهي الروائح الشائعة الاستخدام اليوم ، أو ترشها على مكان حفظ الملابس ، وكانت النسوة المسنات يحتفظن ببعض ( الرشوش ) في طرف الفوطة التي تغطي رأسها لتستخدمها عند الزيارات أو استقبال الضيوف ، وبعضهن كن يستخدمن السعد (بكسر السين والعين ) وهو عروق سوداء اللون ذات لب أبيض تطلق رائحة زكية عند قضمها لترش على الملابس ( وهي أشبه بالعطر المتنقل ) ..!!
مشط الخشب : وهو مشط خشبي مربع الشكل مسنن من الجهتين كان يستخدم لتمشيط الشعر .
صابون الشحم الأبيض : وهو من منشأ حيواني ( يعتقد أنه من شحم الحوت )كان يستخدم لترطيب البشرة وتنعيمها .
ورغم أن المرآة لم تكن شائعة الإستخدام في كل بيت إلا أنها كانت إحدى أهم مقتنيات العروس التكريتية ، حيث كانت تثبت بالجص على حائط ( المقطع ) وهو غرفة المعيشة .
أما مسلتزمات العروس الأخرى فلم تكن الا ( بقجة )* تضم بعض الملابس والأقمشة و ( صندقجه )* تحوي بعض الملابس الأخرى والمستلزمات التي ذكرتها آنفاً .
أما بدلة العروس فكانت تخاط محلياً من قماش ( السيرين الأبيض اللامع ) فيما يغطى وجه العروس بقماش مخرم أو شفاف يسمى ( ململ).
وعادة ماكانت ملابس العروس تعرض على أطراف سرير الزوجية في يوم الزواج لتشاهدها النسوة الأخريات من القريبات دليلاُ على الوجاهة والكرم .
تلك لمحات يسيرة عن أيام خلت ولن تعود ، ورحم الله جداتنا الطيبات وتغمدهن الله ونساء المسلمين بوافر الرحمة والمغفرة .
تعريفات :
* الدوك : أداة خشبية لبرم الصوف
* الفجه : البساط المنسوج من خيوط الصوف الملونه يكون قياسه عادة ( مترين في نصف متر )
* البشكير : بديل المناشف القطنية اليوم وينسج من الصوف .
* بساط الصنديق : بساط ملون ينسج من الصوف يستخدم لتغطية الخانات الجصية التي تتوسط غرفة المعيشه .
* بقجه : وهي الكاره في بعض اللهجات
* صندقجة : صندوق خشبي مزخرف بالمسامير الحديدية كان يستخدم كحاوية لحفظ الملابس ، وأحياناً يكون معدنياً بالكامل .
المصدر:
لقاءات مع نسوة فاضلات من كبار السن في مدينة تكريت
