يمثل الغناء البحري أحد أقدم الفنون الموسيقية في منطقة الخليج العربي، حيث ارتبط بحياة البحارة والصيادين والغواصين الباحثين عن اللؤلؤ، كما شكل جزءاً من النشاط اليومي على متن السفن التي كانت تجوب مياه الخليج قبل ظهور وسائل النقل الحديثة، وتحول مع الوقت إلى أحد أهم روافد الأغنية الخليجية المعروفة اليوم.
وارتبط هذا الفن ببيئة البحر التي اعتمدت عليها المجتمعات الخليجية لقرون طويلة، إذ كان العمل في رحلات الغوص والصيد يتطلب جهداً جماعياً متواصلاً، فاستعان البحارة بالغناء لتنظيم الحركة وتنسيق العمل وتخفيف مشقاته، كما أصبح الغناء وسيلة للتعبير عن مشاعر الغياب والحنين والأمل المرتبطة برحلات البحر الطويلة.
الغناء البحري ونشأة الأغنية الخليجية
واعتمد الغناء البحري على الأداء الجماعي الذي يشارك فيه أفراد الطاقم أثناء العمل فوق السفينة، حيث كان البحارة يرددون الأهازيج بصورة جماعية خلال رفع الأشرعة أو سحب الحبال أو نقل البضائع، كما ارتبطت بعض الألحان بمراحل محددة من الرحلة البحرية.
واستخدم البحارة مصطلح “الشيلة” للدلالة على بعض أنماط الغناء المرتبطة بالعمل، حيث تؤدى الأهازيج بإيقاعات تتناسب مع الجهد المبذول، كما تساعد على تعزيز روح التعاون بين أفراد الطاقم أثناء الرحلات الطويلة في عرض البحر.
واستندت كلمات الأغاني البحرية إلى الشعر الشعبي المتداول في المنطقة، وكان شعر الزهيري من أبرز القوالب الشعرية المستخدمة في هذا الفن، حيث انتشر الزهيري الخماسي والسداسي والسباعي بين البحارة الذين ساهموا في نقله وتداوله عبر موانئ الخليج المختلفة.
وشكل الزهيري السباعي أحد أكثر الأنماط حضوراً في الغناء البحري، إذ يعتمد على بناء شعري يتكون من سبع شطرات ذات نظام قواف محدد، وهو ما أتاح للبحارة توظيفه في أداء نصوص تتناسب مع طبيعة العمل والحياة البحرية.

النهام وآلات الموسيقى البحرية
واعتمد البحارة على عدد محدود من الآلات الموسيقية الإيقاعية، وكان الطار من أبرز هذه الآلات، وهو إطار خشبي دائري يشد عليه الجلد ويستخدم لإنتاج الإيقاع المصاحب للغناء، كما انتشر استعماله في مختلف مناطق الخليج العربي.
وطور البحارة أساليب خاصة للعزف على الطار، حيث استخدموا الأصابع بطرق مختلفة لإنتاج أصوات متعددة تتناسب مع طبيعة الألحان البحرية، وهو ما أسهم في تكوين هوية إيقاعية خاصة بالغناء المرتبط بالبحر.
واستخدمت كذلك آلة تعرف محلياً باسم “اليحلة”، وهي وعاء خزفي كان مخصصاً لحفظ المياه، ثم جرى توظيفه كأداة موسيقية من خلال طرقات محددة تنتج أصواتاً متنوعة، بعضها يحاكي الإيقاعات المرتبطة بحركة الأمواج في البحر.
وارتبط الغناء البحري بشخصية رئيسية تعرف باسم “النهام”، وهو المنشد الذي يقود الأداء فوق السفينة، حيث يبدأ بالغناء وتتولى المجموعة ترديد المقاطع خلفه، كما كان النهام يحتل مكانة مهمة بين أفراد الطاقم نتيجة لدوره في إدارة الأداء الغنائي.
وتطلبت مهمة النهام امتلاك قدرات صوتية وخبرة واسعة بالألحان والنصوص المتداولة، ولذلك تنافس أصحاب السفن والنواخذة على استقطاب أصحاب الأصوات المعروفة، لما يمثله وجودهم من أهمية في الرحلات البحرية الطويلة.
النهمة بين الحفظ الثقافي واليونسكو
وانقسمت النهمة البحرية إلى عدة أنماط رئيسية، من بينها “اليامال” المرتبط بالسرد الغنائي داخل السفينة وخارجها، و”الخطفة” التي تؤدى أثناء رفع الأشرعة وتغيير اتجاه الإبحار، و”الحدادي” الذي يعد من أشهر الفنون البحرية المتداولة بين البحارة في الخليج.
وانتقلت تأثيرات الغناء البحري إلى الأغنية الخليجية الحديثة، حيث استعان عدد من الفنانين والفرق الشعبية بإيقاعاته وألحانه في أعمالهم الفنية، كما أسهم ذلك في تعريف الجمهور العربي بالموسيقى الخليجية خلال القرن العشرين.
واهتمت دول الخليج بالحفاظ على هذا الموروث من خلال المهرجانات والبرامج الثقافية، حيث أطلقت دولة قطر منذ عام 2016 جائزة كتارا لفن النهمة بهدف دعم هذا الفن وتشجيع الممارسين والباحثين على توثيقه ونقله إلى الأجيال الجديدة.
وتشتهر بهذا التراث دول الخليج العربي وفي مقدمتها قطر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والبحرين والكويت وسلطنة عمان، حيث ارتبطت جميعها بتاريخ طويل من الغوص على اللؤلؤ والصيد والملاحة البحرية.
وأدرجت منظمة اليونسكو عناصر مرتبطة بتراث الغوص على اللؤلؤ والممارسات الثقافية البحرية في منطقة الخليج ضمن جهود حماية التراث الثقافي غير المادي، بينما يحظى فن النهمة باهتمام رسمي ومؤسسي في عدد من دول الخليج بوصفه جزءاً من التراث الموسيقي البحري الذي يعكس تاريخ المجتمعات الساحلية في المنطقة.
ويواصل الغناء البحري حضوره في المهرجانات التراثية والعروض الفنية المتخصصة، كما يمثل مصدراً مهماً لدراسة تاريخ الموسيقى الشعبية الخليجية، ويعكس جانباً من حياة البحارة الذين اعتمدوا على الغناء في تنظيم العمل وتوثيق تجاربهم اليومية فوق مياه الخليج العربي.
