يمثل التللي أحد أشكال الحرف التقليدية التي ارتبطت بالمجتمع الإماراتي لسنوات طويلة، حيث اعتمدت عليه النساء في تزيين الملابس المحلية وإضافة الزخارف إلى أطراف الأثواب والأكمام والياقات، كما شكلت هذه الحرفة جزءاً من النشاط المنزلي الذي مارسته المرأة داخل الأسرة والمجتمع.
وارتبطت صناعة التللي بالحياة اليومية في الإمارات قبل ظهور الصناعات الحديثة، حيث كانت النساء يقمن بإنتاج الضفائر المزخرفة يدوياً داخل المنازل، ثم تستخدم في تزيين الملابس الخاصة بالمناسبات والأعياد والاحتفالات الاجتماعية، كما انتقلت مهارات الحرفة من جيل إلى آخر عبر التعليم المباشر داخل الأسرة.
التللي وحياة المرأة الإماراتية
واعتمدت صناعة التللي على مشاركة النساء بصورة أساسية، إذ كانت الحرفة تمارس داخل البيوت وتنفذ خلال أوقات الفراغ أو أثناء التجمعات النسائية، كما مثلت وسيلة للحفاظ على المهارات التقليدية المرتبطة بالملابس المحلية.
واستخدمت الضفائر المنتجة من التللي في تزيين أطواق الملابس وحواشيها وأكمامها، حيث أضافت هذه الزخارف تفاصيل مميزة إلى الأزياء النسائية التقليدية، كما أصبحت جزءاً من الهوية البصرية للملابس المتداولة في المجتمع الإماراتي.
وشهدت الحرفة انتشاراً واسعاً بين العائلات الإماراتية خلال فترات سابقة، حيث ارتبطت بصناعة الملابس التقليدية المحلية، بينما ظلت عملية الإنتاج قائمة على العمل اليدوي الذي يعتمد على الدقة والخبرة المتوارثة بين النساء.

وارتبط التللي كذلك بالمناسبات الاجتماعية المختلفة، حيث كانت الملابس المزينة به تستخدم في حفلات الزواج والاحتفالات العائلية والمناسبات الدينية، وهو ما ساعد على استمرار الحرفة لفترات طويلة داخل المجتمع المحلي.
أدوات الحرفة وأساليب إنتاجها
واعتمدت صناعة التللي على أدوات بسيطة أبرزها وسادة خاصة تثبت عليها الخيوط، إلى جانب البكرات المستخدمة في عملية النسج اليدوي، كما استندت طريقة العمل إلى تشابك الخيوط وتحريكها وفق نمط محدد لإنتاج شرائط زخرفية متنوعة الأشكال.
واستخدمت الحرفيات خيوطاً قطنية وحريرية وأحياناً خيوطاً معدنية ذات لون فضي أو ذهبي، حيث تنسج الضفائر بأسلوب قريب من تقنيات الدانتيل اليدوي، ثم تثبت على الملابس بعد الانتهاء من إعدادها.
وتطلبت عملية الإنتاج وقتاً طويلاً مقارنة بوسائل التصنيع الحديثة، إذ كانت كل قطعة تنجز بشكل يدوي كامل، وهو ما جعل الحرفة تعتمد على المهارة الشخصية والخبرة العملية التي تكتسبها النساء عبر سنوات من الممارسة.
وشكلت هذه الصناعة جزءاً من منظومة الحرف التقليدية المنتشرة في منطقة الخليج العربي، حيث عرفت مجتمعات المنطقة عدداً من الصناعات اليدوية المرتبطة بالنسيج والتطريز وصناعة الملابس، وأسهمت هذه الحرف في تلبية الاحتياجات اليومية للسكان قبل انتشار المنتجات الصناعية.
التللي بين الحماية الثقافية واليونسكو
وشهدت الحرفة خلال العقود الأخيرة تراجعاً تدريجياً نتيجة التغيرات الاقتصادية والاجتماعية، حيث أدى انتشار الملابس الجاهزة والتطريز الصناعي والإنتاج التجاري الواسع إلى انخفاض الاعتماد على المنتجات اليدوية التقليدية، كما تقلص عدد الممارسات للحرفة مقارنة بالفترات السابقة.
واتجهت المؤسسات الثقافية في دولة الإمارات إلى تنفيذ برامج تهدف إلى توثيق الحرفة ونقل مهاراتها إلى الأجيال الجديدة، كما نظمت معارض وورش عمل ومهرجانات تراثية لإبقاء هذا الموروث حاضراً ضمن المشهد الثقافي المحلي.
وتشتهر الإمارات بهذا النوع من التراث المرتبط بالحرف النسائية التقليدية، كما توجد حرف مشابهة في عدد من الدول العربية مثل السعودية وسلطنة عمان وقطر والبحرين والكويت، حيث ارتبطت هذه المجتمعات بصناعات يدوية خاصة بتزيين الأزياء التقليدية وإنتاج المنسوجات المحلية.
وأدرجت دولة الإمارات حرفة التللي ضمن جهودها الرامية إلى حماية التراث الثقافي غير المادي، كما يحظى هذا النوع من الحرف باهتمام المؤسسات الثقافية المختصة بصون التراث الشعبي ونقله للأجيال القادمة.
ويعد التللي من عناصر التراث الثقافي غير المادي المدرجة لدى منظمة اليونسكو ضمن ملف الحرف التقليدية المرتبطة بدولة الإمارات، حيث يمثل نموذجاً للحرف النسائية التي لعبت دوراً في تشكيل الهوية الثقافية المحلية، كما يعكس جانباً من تاريخ صناعة الملابس التقليدية في المجتمع الإماراتي.
ويستمر التللي اليوم بوصفه جزءاً من الذاكرة الثقافية للإمارات، حيث تحافظ عليه المهرجانات التراثية والبرامج التعليمية والمبادرات الثقافية، بينما يظل شاهداً على مرحلة اعتمدت فيها الأسر على الإنتاج اليدوي في تلبية احتياجاتها اليومية وصناعة ملابسها وزخارفها التقليدية.
