يعود ظهور القفطان المغربي إلى القرن الثاني عشر الميلادي في عهد الدولة الموحدية، حيث كان سلاطين الموحدين يبحثون عن لباس مهيب يليق بمكانة السلطان المغربي، وصُنع هذا اللباس انطلاقا من ألبسة قبائل مغربية ومزجها مع منسوجات السفيفة والعقاد التي كانت تصنع في مدينة فاس، وتعتبر فاس المدينة الصناعية الأولى عالميا سنة 600 هجرية الموافق ل 1203 ميلادية لما تحويه من معامل ومصانع لنسج الثياب.
يصف الرحالة ليون الإفريقي في كتابه “وصف إفريقيا” مدينة فاس بقوله إنها تضم 520 دارا للنساجين، وهي أبنية كثيرة ذات طبقات عديدة وقاعات فسيحة كقاعات القصور، تضم كل قاعة عددا كبيرا من عمال نسج الكتان، بالإضافة إلى مائة وخمسين معملا لقصاري الخيوط يقوم معظمها بجوار النهر، وهذا يثبت قدم صناعة النسيج المرتبطة بالقفطان في المغرب.
انتقل القفطان خلال العهد المريني ليصبح لباس السلاطين المغاربة بامتياز، وشهد القرن الخامس عشر الميلادي الموافق للعهد الوطاسي تحول القفطان إلى لباس نسوي في فاس، حيث يصفه ليون الإفريقي بأن نساء فاس يلبسن في الشتاء ثيابا عريضة الأكمام ومخيطة من الأمام مثل ثياب الرجال، وكان من عادة أهل فاس تقديم قفاطين مغربية مع جهاز العروس خلال العهد الوطاسي.
شهد العهد السعدي ظهور اسم جديد للقفطان عرف بالمنصورية نسبة إلى السلطان المغربي المنصور الذهبي، وورد في كتاب الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى للمؤرخ أحمد بن خالد الناصري أن المنصورية هي لباس من الملف لم يكن مستعملا قبله، وهو أول من اخترعه وأضيف إليه اسمه، وتتكون المنصورية من قطعتين السفلية وهي قفطان مغربي من ثوب سميك والفوقية وهي قفطان مغربي شفاف.
يتميز القفطان المغربي باعتماده الكامل على الصناعة اليدوية الدقيقة التي تعرف بصنعة المعلم، ولا تستطيع آلات الخياطة الحديثة محاكاة التفاصيل المعقدة التي يتكون منها، وتشمل السفيفة التي تمثل شريطا مطرزا بخيوط الحرير أو الذهب والفضة يمتد على طول القفطان، والعقاد وهي أزرار حريرية صغيرة تصنع يدويا وتصف بدقة متناهية، والمضمة أو الحزام الذي يبرز قوام المرأة ويصنع من الذهب أو الفضة أو الحرير المطرز.

تطورت في المغرب عدة مدارس للتطريز والخياطة التقليدية، وتميز التطريز الفاسي بالخياطة المخزنية الفضفاضة وطرز الغرزة الدقيق بالخيوط الذهبية على القطيفة الداكنة، وعرف التطريز الرباطي والسلاوي بالكثافة والألوان الزاهية والنقوش النباتية والورود التي تغطي مساحات واسعة من الثوب، واشتهر القفطان التطواني بتأثره بالثقافة الأندلسية وارتباطه بالشدة التطوانية وهي مجموعة حلي تقليدية تغطي صدر العروس ورأسها.
يحدث خلط لدى البعض بين القفطان والتكشيطة، لكن الفصل بينهما واضح في الثقافة المغربية، فالقفطان يتكون من قطعة واحدة ويكون غنيا بالتطريز والسفيفة ويمكن ارتداؤه في المناسبات العائلية والأعياد والمحافل الرسمية، أما التكشيطة فتتكون من قطعتين أو أكثر، القطعة السفلية خفيفة وبسيطة والقطعة العلوية مفتوحة من الأمام ومطرزة بكثافة وتلبس مع المضمة في الأعراس الكبرى.
تضطلع النساء بأعمال التطريز في بيوتهن ليتمكن من المزاوجة بين العمل وتدبير المنزل والعناية بالأطفال، وتقتصر عدتهن على قماش وخيوط وإبر ومرمة أو إطار للطرز وأحيانا رسوم تشكل مخططات ونماذج، وتنتشر دور المعلمة في أحياء المدن المغربية الكبرى لتكوين الفتيات في قواعد الطرز الفاسي والرباطي والسلاوي وصناعة الشبكة والتصميم والخياطة.
أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) القفطان المغربي في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية يوم 10 ديسمبر عام 2025، في خطوة تعكس غنى الهوية المغربية وتنوعها، وجاء هذا الإدراج ضمن قائمة ضمت أيضا أطباقا وفنونا تراثية من دول عربية أخرى.
تتنوع أنواع القفطان وفق المدن المغربية، فاشتهر القفطان الفاسي بالخياطة المخزنية الفضفاضة وطرز الغرزة الدقيق بالخيوط الذهبية على القطيفة الداكنة، وتميز القفطان الرباطي والسلاوي بالطرز الكثيف المشحون بالألوان الزاهية والنقوش النباتية والورود، وعرف القفطان النطعي في فاس ومراكش بأنه ثوب من المخمل الأخضر أو الملكي يطرز بخيوط الذهب الخالص بنقوش مستوحاة من العمارة الإسلامية وتلبسه العروس، وتأثر القفطان التطواني بالثقافة الأندلسية وارتبط بالشدة التطوانية.
اعتمد تشريح القفطان على أجزاء رئيسية تحمل كل منها اسما تراثيا دقيقا، فالردان وهي الأكمام تأتي واسعة ومثلثة في بعض المناطق لتسهيل الحركة والعمل، وتطرز البنايق وهي الجوانب المثلثة بخطوط عمودية تمنح الثوب اتساعا، أما الداير وهو الحافة السفلية فيطرز لحماية حواف القماش من التآكل وتزيين حركة المشي، وتتوزع النقوش على هذه الأجزاء بهندسة فنية بالغة الدقة.
استخدم القفطان المغربي في القرون الماضية أقمشة الصوف أو المخمل أو القطن المرفق بحزام تضعه المرأة حول خصرها، وتطور في القرن الثامن عشر ليصبح بطول الكاحل ومفتوحا من الجانب فقط وتغير شكله ليصبح لباسا يشبه المعطف بأكمام طويلة، وتوجد حاليا قفاطين تقليدية من القرن التاسع عشر محفوظة في متحف الوداية بالرباط شاهدها الباحثون في سبتمبر عام 1977.
انتقل القفطان من بيوت فاس ومراكش إلى منصات عروض الأزياء العالمية في باريس وميلانو ولندن، حيث ارتدته النجمات وسيدات المجتمع كرمز للأناقة التي تجمع بين الاحتشام والفخامة، ولم ينغلق القفطان على ماضيه بل تم تحديثه ليلائم العصر دون المساس بهويته بفضل المعلمين ومصممي الأزياء المغاربة.
يواجه التطريز المغربي تحديات تمثلت في زيادة الإنتاج الضخم الذي يهدد بقاء التطريز اليدوي التقليدي، وانخفاض عدد الحرفيين المحترفين لدخول جيل الشباب إلى مهن أخرى، وارتفاع تكلفة الإنتاج اليدوي، والمنافسة من التصاميم المستوردة غير الأصلية، لكن الجهود المبذولة لإقامة ورش العمل والتعاون في مجال الأزياء وتدريب الحرفيين تسهم في الحفاظ على هذا الفن وتحديثه.
