السبت 1448/01/12هـ (27-06-2026م)
الرئيسية » جولة في التراث » المغرب » مادي » العادات الاجتماعية والطقوس والاحتفالات » ليلة الحناء في المغرب.. طقس نسائي عريق يسبق حفلات الزفاف وتؤديه العروس برفقة قريباتها وصديقاتها

ليلة الحناء في المغرب.. طقس نسائي عريق يسبق حفلات الزفاف وتؤديه العروس برفقة قريباتها وصديقاتها

يُعد طقس الحناء من أعرق التقاليد الاجتماعية في المغرب، حيث تمتد جذوره إلى آلاف السنين وتتشابك مع الثقافة الأمازيغية والعربية والأندلسية التي تلاقحت على أرض المملكة، وتحظى هذه العادة بمكانة خاصة في المناسبات السعيدة كالأعراس والأعياد والختان، لكنها تبلغ ذروة حضورها في ليلة الحناء التي تسبق حفلة الزفاف وتُعرف بـ”سلطانة البنات” لما تحمله من معانٍ احتفالية عميقة.

وتُعتبر الحناء في الوجدان المغربي رمزاً متوارثاً للبركة والخصوبة والفأل الحسن المعروف بـ”التيسير”، حيث يعتقد أن نقشها على جسد العروس يجلب لها الحظ السعيد ويبعد عنها الحسد والعين الشريرة، كما يزداد تفاؤل النساء كلما كان لون النقش داكناً لأن ذلك يدل على قوة المحبة بين الزوجين حسب المعتقدات الشعبية السائدة.

وتتولى مهمة نقش الحناء سيدة متخصصة تُعرف بـ”النقاشة” أو “الحناية” التي تصل إلى منزل العروس برفقة أدواتها، وتبدأ بتزيين يدي الفتاة وقدميها بنقوش دقيقة تختلف أشكالها بين المنطقة الفاسية التي تمتاز بالدقة والرقة، والنقش الصحراوي الكثيف الذي يغطي مساحات واسعة من الجلد برسوم هندسية ونباتية، وتستغرق هذه العملية ساعات طويلة من التركيز والإتقان لإخراج العمل الفني في أجمل صورة.

وتُحاط العروس في هذه الليلة بصديقاتها وقريباتها في أجواء مليئة بالزغاريد والأهازيج التراثية التي ترددها النسوة الحاضرات، وتتصدر المشهد أغانٍ تودع فيها العروس حياة العزوبية وتستقبل بها حياتها الجديدة، وتخلو هذه الأجواء الأنثوية من الرجال تماماً لتصبح فضاءً خاصاً لتقديم الدعم النفسي والمعنوي للعروس قبل يوم الزفاف الكبير.

ويُصاحب طقس الحناء مجموعة من الرموز والأدوات التقليدية التي توضع أمام العروس كقوالب السكر والبيض والشمع، حيث ترمي الحاضرات قطعاً نقدية على صحون الحناء المجاورة لهذه المواد تعبيراً عن التبرك والتفاؤل بالرخاء، وتُضاء الشموع ويُستخدم البخور لإضفاء جو من الطقوسية والقدسية على هذه المناسبة العائلية الحميمية.

ليلة الحناء».. أناقة وإطلالة بين زمنين

ويمتد طقس الحناء في المغرب ليشمل مناسبات أخرى غير الأعراس، فيُوضع على رأس المولود الجديد في العقيقة بركة وحماية، ويُستخدم في احتفالات الختان، وتكثر ممارسته في شهر رمضان وعيدي الفطر والأضحى، ولا تخلو المناسبات الاجتماعية السعيدة من حضور هذه العادة التي تتوارثها النساء عبر الأجيال كجزء من الهوية الوطنية.

وتنشط في هذا المجال النقاشات اللواتي يحترفن هذه الحرفة التي توارثنها عن أمهاتهن وجداتهن، ويُقبلن على مزاولتها كمصدر رزق رئيسي خاصة في مواسم الأعراس الممتدة بين شهري أبريل وأكتوبر، وتعد مهنة النقاشة اليوم من المهن المستقلة التي تدر دخلاً محترماً وتحظى بتقدير اجتماعي كبير لدورها في إحياء التراث الثقافي.

وتختلف نقوش الحناء بين منطقة وأخرى داخل المغرب، فتجد النقش الفاسي الدقيق الذي يعكس التأثير الأندلسي في الحرف والتفاصيل، والنقش الصحراوي الكثيف الذي يمتاز بالجرأة والامتداد على مساحات واسعة من الجلد، كما تظهر تأثيرات النقش الهندي والخليجي في بعض التصاميم الحديثة التي ابتكرتها النقاشات لتلبية أذواق العرائس المتغيرة.

ويعمل المغرب حالياً على توثيق طقوس الحناء ضمن ملفات الترشيح لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، حيث تم إدراج صورة للحناء المغربية على الموقع الرسمي للمنظمة، وذلك بعد أن سجل المغرب التبوريدة عام 2021 وفن الملحون.

وتشارك دول عربية عدة في طقس الحناء كجزء من تراثها الثقافي، إذ يُمارس في تونس وموريتانيا ودول الخليج العربي بأشكال متقاربة مع اختلافات في أساليب النقش والرموز المصاحبة، وتُقام في هذه الدول ليالي خاصة للعروس تسمى “ليلة الحناء” مع اختلاف المسميات والتفاصيل الإقليمية.

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار