يحتفل شعب النوبة في ولاية جنوب كردفان السودانية، برقصة “كمبالا” التقليدية، التي تعدّ واحدة من أعمق وأشهر فنونهم الشعبية على الإطلاق، تجسد هذه الرقصة طقساً اجتماعياً قديماً، يضرب بجذوره في الحياة اليومية والبيئة المحيطة بهذه القبائل العريقة.
ارتبطت رقصة كمبالا ارتباطاً وثيقاً بدورة الحياة الزراعية السنوية، حيث تقام عادةً في ختام موسم الحصاد، تقدم هذه الرقصة كشكر وامتنان للأرض على عطائها الوفير، وكإعلان رسمي لانتقال المجتمع إلى مرحلة جديدة من الراحة والوفرة.
ينتقل محتوي الرقصة وجوهرها من عالم البشر إلى عالم الحيوان، إذ تعتمد “كمبالا” على تقليد حركات الأبقار وثيران الماشية، يقوم الراقصون بمحاكاة مشية وسلوك هذه الحيوانات التي تمثل رمزاً للثروة والقوة والخصوبة في ثقافة النوبة.
تشكل الماشية محوراً أساسياً في حياة النوبة، ولذلك يعكس هذا التقليد الراقص عمق العلاقة الروحية والعملية بين الإنسان وهذه الحيوانات، يعتبر تقليد الأبقار في الرقص شكلاً من أشكال تبجيلها والتعبير عن مكانتها العالية داخل الهيكل الاجتماعي والاقتصادي للقبيلة.

يتميز أداء “كمبالا” بالحماس والقوة الجسدية، حيث يشارك فيها الشباب والأقوياء من الرجال الذين يظهرون لياقتهم البدنية ومهاراتهم الحركية، يلبس الراقصون أزياء تقليدية خاصة ومميزة، قد تشمل أغطية للرأس أو زخارف تحاكي قرون الأبقار، لتعزيز طابع التقليد.
تصاحب الرقصة بإيقاعات الطبول التقليدية النوبية القوية والعميقة، التي تعزف بمهارة عالية، مما يضفي عليها طابعاً ملحمياً ومهيباً، تستخدم آلات نفخ بدائية في بعض الأحيان، لتصدر أصواتاً عالية تتناغم مع الإيقاع، وتزيد من حيوية الأداء.
تعد “كمبالا” مناسبة لا تقتصر على الرقص فقط، بل هي تجمع اجتماعي كبير لتبادل الأخبار وتقوية الروابط بين القرى والمناطق المختلفة في جنوب كردفان، تشكل هذه الرقصة منصة لإظهار القدرات الفردية، وتنافس شريف بين شباب القبيلة في القوة والتحمل.
يحرص النوبيون على توريث هذا الفن للأجيال الجديدة، لضمان استمرارية الهوية الثقافية في وجه التحديات العصرية، تظل “كمبالا” رمزاً قوياً لتراث جنوب كردفان، ونافذة حية تطل على غنى الثقافة النوبية وارتباطها الراسخ بالأرض والبيئة.
المصدر: ويكيبيديا
