السبت 1448/01/12هـ (27-06-2026م)
الرئيسية » جولة في التراث » المملكة العربية السعودية » مادي » الآثار » سور الرياض القديم يوثق مرحلة تأسيس العاصمة السعودية الحديثة

سور الرياض القديم يوثق مرحلة تأسيس العاصمة السعودية الحديثة

بنى الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود سور الرياض القديم عام 1319هـ الموافق 1902م، عقب استعادة مدينة الرياض، ليشكل أحد أبرز المعالم العمرانية التي ارتبطت بتاريخ العاصمة السعودية في بدايات مرحلة التوحيد، وقد أحاط السور بالمدينة القديمة من جميع الجهات، وأدى دوراً رئيسياً في حماية السكان وتنظيم الحركة التجارية والاجتماعية داخل المدينة.

عرف السور بين سكان الرياض باسم “الحامي”، نظراً لما وفره من حماية للمدينة في فترة شهدت أهمية كبيرة للتحصينات الدفاعية، وكان يمثل الحدود العمرانية للرياض في ذلك الوقت، كما ارتبط وجوده بالنظام الإداري والأمني الذي نظم دخول الأفراد وخروجهم عبر بوابات محددة تخضع للرقابة.

شُيد السور باستخدام اللبن والطين الخالص المخمر لعدة أيام وفق أساليب البناء التقليدية المعروفة في منطقة نجد، واستغرقت عملية البناء ما بين 40 و60 يوماً، كما ضم عدداً من الأبراج الدفاعية التي استخدمت للمراقبة والحراسة، ووصل ارتفاع بعضها إلى 12 متراً.

وصف الرحالة البريطاني Harry St John Philby مدينة الرياض خلال زيارته عام 1335هـ الموافق 1917م، وأشار إلى أن المدينة كانت محاطة بسور سميك من الطوب والطين المجفف، وأن الأبراج والحصون كانت موزعة على امتداد السور، كما أوضح أن بعض هذه الأبراج كان دائري الشكل بينما اتخذ بعضها الآخر أشكالاً مربعة أو مستطيلة.

أوضح فيلبي في وصفه أن الأبراج كانت تبرز خارج خط السور لتسهيل أعمال المراقبة والدفاع، كما لفت إلى وجود بوابات محصنة تشكل منافذ الدخول إلى المدينة، وهو ما يعكس أهمية السور باعتباره جزءاً من المنظومة الأمنية والعمرانية للرياض في تلك المرحلة.

سور مدينة الرياض القديم وتظهر بوابة دخنة. (دارة الملك عبدالعزيز)

احتوى سور الرياض القديم على عدد من البوابات الرئيسة التي عرفت محلياً باسم “الدراويز”، إضافة إلى منافذ أصغر كانت مخصصة لعبور المشاة، وعرفت باسم “النقب”، وكانت هذه البوابات تفتح بعد صلاة الفجر وتغلق بعد صلاة العشاء، بينما يقتصر فتحها ليلاً على الحالات المرتبطة بالأوامر الرسمية.

يقع باب الثميري في الجهة الشرقية من المدينة، ويعد من أشهر بوابات السور، وقد ارتبط اسمه بعدد من الروايات التاريخية، كما عرف في فترات سابقة باسم باب المروة وبوابة الأحساء، وشكل نقطة عبور رئيسية للقادمين إلى الرياض من جهة الشرق.

يقع باب آل سويلم في الجهة الشمالية للمدينة، وسمي نسبة إلى أسرة سكنت المنطقة المجاورة له، بينما يقع باب دخنة في الجهة الجنوبية، واكتسب اسمه من بئر أو حي قريب يحمل الاسم نفسه، وقد ظل من البوابات المعروفة في الرياض القديمة.

يقع باب المذبح في الجهة الغربية من المدينة، وكان يستخدم للوصول إلى المنطقة التي كانت تتم فيها عمليات ذبح الماشية خارج حدود السور قبل نقلها إلى الأسواق الداخلية، كما يقع باب الشميسي جنوب غربي الرياض، وسمي بهذا الاسم لاتصاله بمنطقة الشميسي المعروفة خارج المدينة.

ضم السور كذلك عدداً من البوابات الثانوية مثل بوابة القرية ومنفوحة ومصدة والظهيرة، وقد أسهمت هذه المنافذ في تنظيم الحركة اليومية للسكان والتجار، وربطت الرياض القديمة بالمزارع والأحياء والطرق المؤدية إلى المناطق المجاورة.

شهدت مدينة الرياض خلال منتصف القرن الرابع عشر الهجري توسعاً عمرانياً متسارعاً، ومع زيادة عدد السكان واتساع الرقعة العمرانية لم يعد السور يمثل حدود المدينة، وهو ما أدى إلى إزالته تدريجياً خلال الفترة الممتدة بين 1369هـ و1371هـ الموافق 1950م و1952م.

أطلقت الهيئة الملكية لمدينة الرياض لاحقاً مشروعاً لإعادة بناء أجزاء من السور في المنطقة الشرقية من مساره التاريخي قرب مجمع سويقة التجاري، وذلك بهدف المحافظة على الذاكرة العمرانية للمدينة وإبراز أحد معالمها التاريخية المهمة.

اعتمدت أعمال إعادة البناء على دراسات ميدانية ووثائق تاريخية حددت مواقع البوابات والأبراج ومسار السور الأصلي، كما استخدمت المواد التقليدية نفسها التي استعملت في البناء القديم، حيث بنيت القواعد بالحجر الطبيعي وشيدت الجدران من اللبن، واستخدم الطين المدعم بالتبن في أعمال التشطيب.

استعانت الجهات المشرفة على المشروع بحرفيين محليين يمتلكون خبرة في تقنيات البناء التقليدي، بهدف الحفاظ على الطابع العمراني الأصلي للسور، كما تم تحديد أجزاء من مساره على الشوارع الحديثة باستخدام أحجار تختلف ألوانها عن لون الإسفلت لتوضيح امتداد السور القديم.

يمثل سور الرياض القديم جزءاً من التراث العمراني الدفاعي الذي اشتهرت به مدن شبه الجزيرة العربية، وتوجد نماذج مشابهة لهذا التراث في المملكة العربية السعودية واليمن وسلطنة عُمان والمغرب وتونس، حيث اعتمدت المدن التاريخية في تلك الدول على الأسوار والبوابات لتنظيم الحركة وتأمين الحماية للسكان.

لا يعد سور الرياض القديم موقعاً مدرجاً بشكل مستقل على قائمة التراث العالمي التابعة لمنظمة UNESCO، إلا أنه يمثل معلماً مهماً ضمن التراث العمراني الوطني في المملكة العربية السعودية، وتحظى عناصره المعاد بناؤها وبرامج توثيقه باهتمام الجهات المختصة بالحفاظ على التراث.

يوثق السور مرحلة مهمة من تاريخ الرياض قبل التوسع الحديث، كما يعكس أساليب البناء السائدة في منطقة نجد، ويقدم صورة واضحة عن التنظيم العمراني والدفاعي الذي عرفته المدينة في بدايات القرن الرابع عشر الهجري، وفق ما وثقته المصادر التاريخية وشهادات الرحالة والدراسات المتخصصة في تاريخ العاصمة السعودية.

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار