يمثل شهر رمضان في صعيد مصر مناسبة ارتبطت بعادات اجتماعية ودينية توارثتها الأجيال، حيث حافظت القرى والنجوع على طقوس خاصة بالشهر الكريم تختلف في بعض تفاصيلها عن مناطق أخرى من البلاد، كما ارتبطت هذه الممارسات بالحياة اليومية للسكان وبالترابط الاجتماعي الذي عرفته المجتمعات الصعيدية عبر عقود طويلة.
وتتميز محافظات الصعيد بوجود موروث شعبي واسع يرتبط بالمناسبات الدينية، كما أسهم انتشار الطرق الصوفية والكتاتيب ومجالس تلاوة القرآن في تكوين طابع خاص لشهر رمضان، وهو ما انعكس على العادات المرتبطة بالاستعداد للشهر والاحتفال به طوال أيامه.
استعدادات رمضان في القرى الصعيدية
وتبدأ الاستعدادات لرمضان قبل حلوله بأيام، حيث كانت الأسر في الماضي تجهز أدوات صناعة الكنافة البلدية داخل المنازل، قبل ظهور خطوط الإنتاج الحديثة، وكان أفراد الأسرة يجتمعون حول أفران الطين لإعداد الكنافة التي ارتبطت بالشهر الكريم في معظم قرى الصعيد.
وشهدت القرى أيضاً عادات اجتماعية خاصة بالمناسبات العائلية خلال رمضان، إذ كانت الأسر ترسل ما يعرف باسم “العشاء” إلى بناتها المتزوجات مع بداية الشهر، ويتضمن اللحوم والخضروات والفاكهة والبقوليات إلى جانب الهدايا المالية، وما زالت هذه العادة حاضرة في عدد من المناطق حتى الآن.

وارتبط الشهر الكريم كذلك بعادة تأجيل الخصومات والثأر بين العائلات، حيث ساد عرف اجتماعي يقضي بوقف أعمال العنف خلال رمضان، وكان المجتمع المحلي ينظر إلى الالتزام بهذه القاعدة باعتباره جزءاً من احترام حرمة الشهر.
واستعد الأطفال والكبار لاستقبال رمضان بتعليق الزينة الورقية والفوانيس اليدوية، كما انتشرت البيارق الملونة في الشوارع والحارات، وشارك أبناء القرى في صناعة الفوانيس من جريد النخيل والخامات المتاحة محلياً لتزيين الطرقات طوال أيام الشهر.
وشكل مدفع رمضان واحداً من أبرز المشاهد اليومية المرتبطة بموعد الإفطار، حيث كان الأهالي يتجمعون قرب مواقع إطلاق المدفع لمتابعة هذه اللحظة، بينما ابتكر الأطفال وسائل بدائية تحاكي صوت المدفع باستخدام أدوات بسيطة توفر لهم أجواء احتفالية خاصة بهم.
المندرة وليالي تلاوة القرآن
وتعد المندرة أو الدوار من أهم المؤسسات الاجتماعية التقليدية في صعيد مصر، وهي مكان مخصص لاستقبال الضيوف وعقد المناسبات العائلية والاجتماعات الاجتماعية، كما لعبت دوراً بارزاً خلال شهر رمضان.
وتحولت المندرة بعد صلاة التراويح إلى مجلس لتلاوة القرآن الكريم والإنشاد الديني، حيث كانت العائلات تتنافس في استضافة أشهر القراء والمنشدين من القرى والمراكز المجاورة، بينما يجتمع الأهالي للاستماع إلى التلاوة حتى موعد السحور.
وتوزعت الليالي الرمضانية بين العائلات المختلفة، وكانت بعض الأسر تحظى بسمعة واسعة نتيجة قدرتها على استضافة قراء معروفين، كما تكفلت الأسرة المضيفة بإعداد المشروبات ووجبة السحور للحضور في نهاية السهرة.

وترتبط هذه المجالس بتاريخ طويل من الاهتمام بعلوم القرآن في الصعيد، إذ شهدت مدن مثل قوص في محافظة قنا نشاطاً علمياً كبيراً خلال عصور سابقة، كما ساهمت الكتاتيب والمدارس الدينية في نشر ثقافة التلاوة وحفظ القرآن بين أبناء المنطقة.
واستمرت هذه العادة حتى العقود الأخيرة، إلا أن تطور وسائل الاتصال وتغير أنماط الحياة أدى إلى تراجعها تدريجياً، رغم استمرارها في بعض القرى التي ما زالت تحافظ على جانب من هذا التراث.
النوقارة ومكانتها في التراث الشعبي
وتعد النوقارة من الطقوس الرمضانية التي وثقتها الباحثة وينفرد بلاكمان في دراساتها الخاصة بعادات الصعيد، حيث كانت تقام في صورة موكب احتفالي يعلن قدوم شهر رمضان ويجوب القرى والبلدات.
واعتمدت النوقارة على استخدام الطبول المثبتة فوق الجمال، بينما يتقدم الموكب عدد من الخيول والجمال المزينة بالأقمشة، ويشارك فيه رجال الطرق الصوفية وأبناء القرى، في حين تتولى النساء إطلاق الزغاريد وإلقاء الحلوى على المشاركين.
وانتهت هذه المواكب عادة بالقرب من مواقع إطلاق مدفع رمضان قبيل أذان المغرب، حيث يجتمع الأهالي لمتابعة الطقوس المرتبطة ببداية الشهر، وقد ظلت النوقارة جزءاً من المشهد الرمضاني في عدد من مناطق الصعيد لفترات طويلة.
وتشتهر مصر بهذا النوع من التراث الشعبي المرتبط بالمواسم الدينية، كما توجد تقاليد مشابهة في المغرب والجزائر وتونس والسودان وموريتانيا، حيث ارتبطت المناسبات الدينية بمواكب شعبية واحتفالات جماعية وأشكال متنوعة من الفنون التقليدية.
ولا توجد للمندرة أو النوقارة تسجيلات مستقلة ضمن قوائم التراث الثقافي غير المادي بمنظمة اليونسكو، إلا أنهما تندرجان ضمن الموروث الشعبي والعادات الاجتماعية المرتبطة بالمناسبات الدينية في مصر، كما تحظيان باهتمام الباحثين المتخصصين في توثيق التراث الشعبي المصري.
