الخميس 1448/01/10هـ (25-06-2026م)
الرئيسية » جولة في التراث » مصر » غير مادي » فنون الأداء » من السيرة الهلالية إلى الحضرة الصوفية.. الفن الشفهي في صعيد مصر سجل اجتماعي يمتد عبر الأجيال

من السيرة الهلالية إلى الحضرة الصوفية.. الفن الشفهي في صعيد مصر سجل اجتماعي يمتد عبر الأجيال

يشكل الفن الشعبي والصوفي جزءاً من الموروث الثقافي في صعيد مصر، حيث ارتبط بحياة السكان في مختلف المناسبات الاجتماعية والدينية، وتعد محافظة أسيوط من المناطق التي حافظت على جانب كبير من هذا التراث نتيجة تنوعها القبلي ووجود جماعات استقرت بها منذ قرون، ومن بينها قبائل بني هلال وهوارة وأولاد زيد والعبابدة وغيرها.

ويحتل الفن الشفهي مساحة واسعة في الحياة اليومية لأهالي الصعيد، حيث ترافق الأغاني والحكايات والأمثال الإنسان منذ الميلاد وحتى الوفاة، كما تتنوع أشكاله بين الغناء التراثي وأغاني العمل وأغاني الزفاف وحنين الحجاج والعديد الذي يقال في مراسم العزاء، إضافة إلى الحكايات الشعبية والأمثال المتوارثة.

الفن الشفهي في الحياة اليومية بالصعيد

وتحافظ المجتمعات المحلية في أسيوط على أنماط متعددة من السرد الشعبي، إذ تتداول السير والمواويل الشعرية التي تنقل أحداثاً وشخصيات تاريخية وشعبية، وتأتي في صورة ترابيع وأشعار تؤدى أمام الجمهور، كما تنتشر الحكايات الشعبية والتعاويذ والأمثال بوصفها جزءاً من الذاكرة الجماعية للسكان.

وتعد السيرة الهلالية من أبرز أشكال التراث الشفهي المنتشرة في الصعيد، حيث يروي المغنون الشعبيون قصص أبطالها في ليالٍ تمتد لساعات طويلة، ويعتمد الأداء على التفاعل المباشر مع الجمهور الذي يرتبط بشخصيات معينة وفق البيئة المحلية والانتماءات القبلية.

موائد الإفطار في رمضان في صعيد مصر

ويحرص المغني الشعبي على تقديم الرواية بما يتوافق مع الجمهور الحاضر، إذ تختلف بعض تفاصيل الأداء من قرية إلى أخرى، وهو ما أسهم في استمرار هذا الفن الشفهي وانتقاله بين الأجيال، كما جعله جزءاً من المناسبات الاجتماعية الكبرى في القرى الصعيدية.

طقوس الأفراح والسير الشعبية

وتبدأ الاحتفالات في صعيد مصر قبل موعد المناسبة بعدة أيام، خاصة حفلات الزفاف التي تشهد استعدادات تشمل دعوة الأهالي وإقامة موائد جماعية يشارك فيها أبناء القرية، بينما تخصص أمسيات للنساء بعيداً عن الرجال تتخللها الأغاني الشعبية والزغاريد والرقصات التقليدية.

وتتضمن هذه الأمسيات أغنيات ترتبط بالهوية المحلية والعلاقات الاجتماعية داخل المجتمع الصعيدي، كما تنتقل الأغاني بين الأجيال بصورة شفوية، وهو ما ساعد على استمرارها رغم التغيرات التي شهدتها الحياة الاجتماعية خلال العقود الأخيرة.

وشهدت الأفراح القديمة أشكالاً مختلفة عن الصورة الحالية، حيث كان الرجال يصطفون في صفوف متقابلة ويؤدون أهازيج جماعية يقودها منشد يردد المشاركون خلفه العبارات والإيقاعات، كما ارتبطت بعض هذه الطقوس بتأثيرات الطرق الصوفية التي انتشرت في الصعيد.

مصور يوثق جانبًا مخفيًا لحفلات الزفاف الشعبية في صعيد مصر - CNN Arabic

وارتبطت بعض أشكال الغناء الجماعي بممارسات مستوحاة من حلقات الذكر والإنشاد، وهو ما جعل الحدود بين الفن الشعبي والطقوس الصوفية متداخلة في عدد من المناسبات الاجتماعية، خاصة في القرى التي شهدت حضوراً واسعاً للطرق الصوفية.

الحضرات الصوفية ومكانتها التراثية

وتنتشر الحضرات الصوفية في عدد من قرى ومراكز أسيوط، حيث يجتمع المشاركون في مجالس الذكر المعروفة محلياً باسم الراتب، وتتضمن تلاوة القرآن الكريم والمدائح النبوية والقصائد الصوفية التي ألفها شعراء ومتصوفة عبر قرون مختلفة.

ويستخدم المنشدون في بعض الحضرات آلة الرق فقط، بينما تعتمد طرق أخرى على الإنشاد الجماعي دون استخدام آلات موسيقية، وتتناول القصائد موضوعات مرتبطة بالمديح النبوي والزهد والمحبة الإلهية، كما تحضر نصوص معروفة مثل قصيدة البردة للإمام البصيري وأشعار ابن الفريد.

وتعد قرية كوم أبو شيل التابعة لمركز أبنوب من المواقع المرتبطة بالنشاط الصوفي في أسيوط، حيث يوجد مقام الشيخ عمران الذي ارتبط بالطريقة الشاذلية، ويستقبل الموقع زواراً ومريدين خلال المناسبات الدينية المرتبطة بذكرى المولد السنوي.

وولد الشيخ عمران أحمد عمران في قرية المطيعة بأسيوط ثم انتقل إلى كوم أبو شيل في حدود عام 1922، ودرس في الأزهر الشريف قبل ارتباطه بالطريقة الشاذلية، كما امتد نشاطه إلى مناطق متعددة من مصر ووصل أتباعه إلى محافظات مختلفة من الإسكندرية حتى أسوان.

وتعتمد الحضرة الصوفية على حلقات جماعية للذكر تبدأ بتلاوة القرآن ثم ترديد الأذكار بصورة إيقاعية، وتتغير سرعة الأداء خلال الجلسة قبل الانتقال إلى الإنشاد الجماعي، بينما يشارك الحضور في الترديد والتمايل وفق نظام متوارث داخل الطرق الصوفية.

وتشتهر مصر بهذا النوع من التراث الشعبي والصوفي، كما توجد تقاليد مشابهة في المغرب والجزائر وتونس والسودان وموريتانيا، حيث تمثل الحضرات والإنشاد الشعبي جزءاً من الموروث الثقافي في هذه الدول.

ويحظى جانب من التراث الشفهي المصري باعتراف دولي، إذ أدرجت السيرة الهلالية ضمن قوائم التراث الثقافي غير المادي لدى UNESCO، بينما لا يوجد إدراج مستقل لكل طقوس الفن الشعبي والصوفي في صعيد مصر، إلا أنها تعد جزءاً من الموروث الثقافي غير المادي الذي تهتم المؤسسات البحثية والثقافية المصرية بتوثيقه وحفظه.

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار