الأربعاء 1447/09/15هـ (04-03-2026م)
الرئيسية » جولة في التراث » البحرين » غير مادي » فنون الأداء » فن الصوت في البحرين.. سجل تراثي حي يعكس روح المجتمع وتفاصيله الحياتية

فن الصوت في البحرين.. سجل تراثي حي يعكس روح المجتمع وتفاصيله الحياتية

يمثل “فن الصوت” أحد أبرز وأعمق الألوان الموسيقية في مملكة البحرين، مُشكّلاً ركناً أساسياً من التراث الثقافي غير المادي للبلاد، وهو فن غنائي عريق، ليس مجرد أغانٍ وألحان، بل هو سجل تاريخي حي، يعكس روح المجتمع وتفاصيله الحياتية، ويَتَّسِمُ هذا الفن بطابعه الأصيل والعميق، الذي يميزه عن باقي الفنون الخليجية، بفضل مزيج فريد من المقامات والإيقاعات الشعرية.

تَعُودُ جذور هذا الفن إلى ما قبل قرون، وتطورت صياغته الغنائية على يد رواد كبار، كان أبرزهم الفنان محمد بن فارس، الذي ساهم في تحديثه وإشهاره في بدايات القرن العشرين، اِرْتَبَطَ “فن الصوت” تاريخياً بمجالس الطرب والسهر، وكان يُؤَدَّى في البيوت الكبيرة والمقاهي الشعبية، مما منحه صفة الفن الاجتماعي بامتياز.

يَقُومُ فن الصوت على أساس متين من الشعر الفصيح والنبطي، حيث تُختار القصائد بعناية فائقة، لتكون ذات معانٍ وجدانية عميقة تتناول مواضيع الغزل والشوق والحكمة، تُعَزَّزُ الكلمات بآلة العود، التي تعتبر الأداة الرئيسية والروح لهذا الفن، يرافقها في الغالب المرواس، وهو إيقاع جلدي صغير، يضفي على الأداء خفة وسرعة مميزة تعرف باسم “المركبة”.

يَنْقَسِمُ فن الصوت بشكل عام إلى نوعين رئيسيين، هما “الصوت العربي” و”الصوت الشامي”، يَتَمَيَّزُ “الصوت العربي” ببطء الإيقاع وقوة المقامات الموسيقية، مما يجعله أكثر تأملاً وشجناً، بينما “الصوت الشامي” يتمتع بإيقاع أسرع ومقامات أكثر حيوية ولهجة أقرب إلى النمط الشعبي.

يُعْتَبَرُ فن الصوت، بما يحمله من شاعرية وحس فني عالٍ، جسراً ثقافياً يربط البحرين بغيرها من دول الخليج، لا سيما الكويت والسعودية، حيث يتقاسمون معه بعض الأصول الفنية والمقامات الموسيقية، يَظَلُّ التعبير البحريني الأصيل في هذا الفن واضحاً، من خلال طريقة الأداء والزخارف الصوتية المميزة التي يضيفها المؤدي.

سَاهَمَ الفنان الراحل محمد بن فارس، في تثبيت قواعد هذا الفن، وتوسيع انتشاره ليس في البحرين فحسب، بل في دول الخليج العربي ككل، حيث كان لأسلوبه الخاص في الأداء والعزف تأثير كبير، مما جعله أحد رواد هذا اللون الموسيقي، تَحَوَّلَ “فن الصوت”، بفضل جهود فنانين مثل بن فارس، من مجرد أداء غنائي محدود، إلى ظاهرة ثقافية، تُقام لها المجالس وتحفظها الذاكرة الجمعية للمنطقة، وتُورَث للأجيال، حاملةً معها أصالة الماضي.

تُوَاجهُ جهود الحفاظ على هذا التراث تحديات العصرنة والتغير السريع في الذائقة الفنية للجيل الجديد، تَبْذُلُ المؤسسات الثقافية البحرينية جهوداً مضنية لحماية هذا الإرث، عبر توثيقه أكاديمياً، وإقامة المهرجانات الخاصة، ودعم الفنانين الشباب لتعلم أصوله، لضمان استمراريته للأجيال القادمة.

المصدر: إندبندنت عربية

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار