الأثنين 1447/09/27هـ (16-03-2026م)
الرئيسية » جولة في التراث » شمتو التونسية.. مدينة الرخام الأصفر ورمز الإرث الأمازيغي الروماني

شمتو التونسية.. مدينة الرخام الأصفر ورمز الإرث الأمازيغي الروماني

تُعد مدينة شمتو الأثرية، التي تحمل الاسم اللاتيني “Simitthus”، موقعاً تاريخياً استثنائياً يقع في شمال غرب تونس، بالقرب من مدينة جندوبة، وتعود جذورها إلى القرن الخامس قبل الميلاد،وقد شكلت هذه المدينة نقطة التقاء حضارية مهمة، جمعت بين الإرث النوميدي العريق والازدهار الروماني الكبير.

ولدت مستعمرة شمتو كمركز حضري صغير في وادي مجردة، بعد غزو النوميديين للمنطقة، وتطورت بفضل موقعها الاستراتيجي على مفترق الطرق التجارية الرئيسية، ومعبر النهر الحيوي،وقد ارتبط اسم المدينة ارتباطاً وثيقاً بمحاجر الرخام الأصفر والوردي النادر الذي كان يُستخرج منها، مما منحها شهرة اقتصادية عالمية.

أقام الملك النوميدي مكيبسا في شمتو ضريحاً ضخماً لتكريم والده الراحل ماسينيسا، أحد أعظم ملوك نوميديا، مما يؤكد مكانة المدينة كمركز ملكي وإداري،ويعتقد أن استغلال مقالع الرخام بدأ في المنطقة منذ القرن الثاني قبل الميلاد، وهو ما ساعد في تمويل هذا البناء النبيل.

تميز الموقع بوجود اتصالات تجارية كبيرة مع حوض البحر الأبيض المتوسط، مما سمح بالتصدير المنهجي لرخامه الفريد الذي عُرف باسم “الجيالو أنتيكو” (Giallo Antico)،وقد حظي هذا الرخام الثمين بتقدير كبير في المجتمع الروماني الراقي كـ “مادة فاخرة”، واستخدم في بناء المعابد والفيلات الفخمة.

شمتو

خضعت شمتو للسيطرة الرومانية، وتطورت من بلدية إلى مستعمرة في عام 27 قبل الميلاد، وحملت اسم “Colonia Iulia Augusta Numidica Simitthensium”،وقد بدأ التنقيب في الصخر على نطاق واسع في عهد الإمبراطور أغسطس، حيث خصص استغلاله للمحاربين القدامى وتوجيه المدانين للعمل القسري في المقالع.

يُشير وجود الرخام المستخرج من شمتو في أعمدة حمامات أنطونيوس بقرطاج وفي مبانٍ إمبراطورية فخمة في روما، إلى الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية للمحاجر بالنسبة للإمبراطورية،وقد ازدهرت المدينة خلال الإمبراطورية العليا، ووصلت إلى ذروتها في عهد السيفيريان، مما يعكس قوتها كمركز إنتاجي.

يضم الموقع اليوم متحفاً أثرياً يسرد قصة المدينة، ويعرض المكتشفات التي تمت في إطار التعاون التونسي الألماني الواسع للحفريات والتهيئة،وقد كشفت الحفريات التي أُجريت في الثمانينيات عن شبكة متكاملة من الطرق والقنوات والمناطق السكنية حول المنتدى الروماني.

تُظهر التنقيبات مقبرة تعود إلى ما قبل الفترة الرومانية، محفوظة تحت المنتدى، وقد استُخدمت من القرن الرابع حتى القرن الأول قبل الميلاد،وتتضمن هذه المقبرة قبوراً ضخمة تم إعادة بنائها جزئياً، مما يوفر نافذة على ممارسات الدفن النوميدية.

حافظت المدينة على مكانتها كمركز ديني، حيث عُرفت في عام 411م بأنها مقر للأسقفية، مما يؤكد استمرار أهميتها حتى نهاية الفترة القديمة،ولأهمية مقالعها التاريخية الفريدة، تم إدراجها في القائمة الإرشادية المؤقتة لليونسكو.

المصدر: اليونسكو

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار