السبت 1448/01/12هـ (27-06-2026م)
الرئيسية » جولة في التراث » مصر » مادي » التراث الزراعي » الطنبور.. أداة مائية قديمة تنقل المياه من الترع إلى الحقول في مصر

الطنبور.. أداة مائية قديمة تنقل المياه من الترع إلى الحقول في مصر

يتمثل الطنبور في كونه أحد أقدم الوسائل الهندسية التي استخدمها الفلاح المصري في رفع المياه من الترع والمجاري المائية إلى الحقول الزراعية، حيث اعتمد على فكرة البرغي اللولبي المنسوبة إلى أرخميدس في القرن الثالث قبل الميلاد، بينما انتشر استخدامه بشكل واسع داخل الريف المصري، خاصة في محافظات الدلتا، وظل جزءاً من أدوات الري التقليدية لعدة قرون.

ويتم توثيق وجود الطنبور في السياق الزراعي المصري باعتباره أداة اعتمدت على تصنيع محلي داخل القرى، حيث قام نجارون مصريون بصناعة مكوناته من الخشب والحديد وفق خبرات تراكمت عبر الأجيال، ما ساعد على استمراره في خدمة الزراعة التقليدية رغم ظهور أدوات الري الحديثة.

تركيب هندسي

ويعتمد الطنبور على هيكل أسطواني طويل مصنوع من ألواح خشبية غالباً ما تكون من خشب التوت أو السنط، حيث تُجمع هذه الألواح بشكل محكم وتدعم بأحزمة حديدية تمنع تسرب المياه وتحافظ على استقرار الهيكل أثناء التشغيل.

ويحتوي الطنبور على محور داخلي يمتد بطول الأسطوانة، يلتف حوله نظام حلزوني من ألواح خشبية رقيقة، يشبه في تصميمه شكل المسمار اللولبي، وهو الجزء المسؤول عن نقل المياه من أسفل إلى أعلى أثناء دوران الجهاز.

ويتصل هذا المحور بمقبض حديدي يعرف بالمانيفيللا، حيث يستخدمه الفلاح في تدوير الطنبور يدوياً، ما يسمح بتشغيل النظام بشكل مستمر أثناء عملية رفع المياه من الترعة إلى قنوات الري.

آلية التشغيل

ويُثبت الطنبور على حافة الترعة بزاوية تتراوح بين 30 و45 درجة، بحيث يكون طرفه السفلي مغموراً في المياه بينما يستقر طرفه العلوي عند مستوى أعلى مرتبط بمسقى الحقول الزراعية.

ويجلس الفلاح بالقرب من الجهاز ويمسك بالمقبض العلوي، ثم يبدأ في تدويره بحركة دائرية مستمرة، ما يؤدي إلى تحريك الريش الحلزونية داخل الأسطوانة ودفع المياه تدريجياً إلى الأعلى عبر القناة الداخلية.

وتستمر هذه العملية حتى تصل المياه إلى الفتحة العلوية للطنبور، حيث تنساب مباشرة إلى قنوات الري التي تغذي الأراضي الزراعية، معتمدين في ذلك على قوة الدوران والزاوية المائلة للجهاز.

لا يتوفر وصف للصورة.

خصائص استخدام

ويستخدم الطنبور في رفع كميات من المياه في ارتفاعات منخفضة نسبياً لا تتجاوز متراً واحداً، حيث يتميز بقدرته على نقل كميات أكبر مقارنة ببعض الوسائل اليدوية التقليدية الأخرى المستخدمة في الري.

ويعتمد الفلاحون على الطنبور في المساحات الزراعية الصغيرة أو الأراضي القريبة من الترع، حيث يسهل نقله بين الحقول المختلفة دون الحاجة إلى معدات ثقيلة، كما يمكن تشغيله بواسطة شخص واحد في أغلب الحالات.

ويستمر استخدامه في بعض مناطق الريف المصري رغم التوسع في استخدام مضخات الديزل، حيث ما زال يحتفظ بدوره في بعض الزراعات التقليدية التي تتطلب أدوات بسيطة وسهلة التشغيل.

امتداد هندسي

وتشير الدراسات الهندسية إلى أن نفس فكرة البرغي اللولبي المستخدم في الطنبور تُستعمل حالياً في العديد من التطبيقات الحديثة حول العالم، خاصة في محطات الصرف الصحي ومحطات رفع المياه، حيث تعتمد على نفس مبدأ نقل السوائل باستخدام الحركة الدائرية داخل قناة مائلة.

ويعكس هذا الامتداد استمرارية الفكرة الهندسية عبر العصور، حيث انتقلت من الاستخدام التقليدي في الزراعة إلى تطبيقات صناعية حديثة تعتمد على الكفاءة في نقل المياه والمواد السائلة.

حضور عربي واسع

وتعرف دول عربية أخرى استخدام أدوات تقليدية مشابهة للطنبور في نظم الري القديمة، مثل السودان والعراق وسوريا والمغرب، حيث اعتمدت هذه المجتمعات على أدوات ميكانيكية بسيطة تعتمد على الحركة اليدوية أو الحيوانية لرفع المياه من المصادر الطبيعية.

ولم يُدرج الطنبور المصري بشكل منفصل ضمن قوائم التراث الثقافي غير المادي لدى منظمة اليونسكو، إلا أنه يُعد جزءاً من التراث الزراعي التقليدي المرتبط بأنظمة الري القديمة في مصر، كما يتم توثيقه ضمن الدراسات الأثرية والهندسية التي ترصد تطور تقنيات رفع المياه منذ العصور القديمة وحتى العصر الحديث.

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار