الأحد 1448/04/09هـ (20-09-2026م)

آثار قلعة تكريت

تقف آثار قلعة تكريت شاهداً حياً على فجر المدنية في المنطقة، حيث عاصرت أهم ملمات الدهور وشهدت أحداثاً تاريخية كبرى عبر الحقب المتعاقبة.

عُرفت القلعة في السجلات الكلاسيكية القديمة ومسلات الملوك والرقم الطينية باسم “برتو” أو “برتا” والتي تعني الحصن، وقد وصفها الرحالة والمؤرخون أمثال جيبون وتافرنييه، فضلاً عن البلدانيين العرب، بأنها من أقوى وأحصن المواقع في وادي الرافدين، لدرجة أنه لم يقتحمها سوى تيمورلنك.

شكلت هذه القلعة على مر العصور قلب مدينة تكريت ومقراً للحاكم السياسي، ومركزاً للأحداث الكبرى والمعارك الفاصلة.

شُيدت القلعة وفقاً للفن المعماري الحربي الآشوري المعروف بتصميم “المدينة القلعة”، إذ تمثل نقطة التثليث لسور المدينة بوقوعها في ركنه الشرقي.

تتربع القلعة على تل أو كتف صخري بيضوي الشكل يتوافق مع طبيعة التضاريس ويشرف على نهر دجلة الذي يحيط بها، ويبلغ ارتفاعها عن سطح الأرض نحو 45 إلى 50 متراً، بسعة تصل إلى 435 متراً في الطول و114 متراً في العرض.

بُنيت جدرانها الخارجية بمداميك من الحجارة الكلسية المهندمة على شكل مكعبات، لتشابه في متانتها الشواخص القديمة في نينوى ونمرود وأربيل، وقد توالت عليها حضارات عدة تركت بصماتها، منها تحصينات وتطويرات أضافها الملك سابور الأول.

 

امتلكت القلعة نظاماً دفاعياً بالغ التعقيد، فجدرانها ذات قطوع حادة يصعب على المشاة والخيالة تسلقها، وتوفر إطلالة استراتيجية تؤمن رصداً يكشف مقتربات المنطقة لمسافة تصل إلى 25 كيلومتراً.

تضمنت التحصينات مسالح وربايا لسيطرة الحراس، وخندقاً اصطناعياً واسعاً وعميقاً يُملأ بالماء وقت المحن والحصار، إلى جانب جسر متحرك وأربعة أبواب.

ولعل أبرز هذه الأبواب بوابة سرية معقودة تطل على النهر من الجهة الشرقية، صُممت للطوارئ للربط بين قمة القلعة وساحل النهر، على غرار الممرات المكتشفة في مدينة كالح القديمة.

 

كشفت التنقيبات الأثرية التي أُجريت في الموقع عامي 1993 و1995 عن نصوص مسمارية منقوشة على آجرات تعود للملك الآشوري أدد-نيراري الأول، مما أرجع تاريخ القلعة إلى العهد الآشوري الوسيط (1307-1275 ق.م)، بعد أن كانت المعلومات السابقة تحصرها في الحقبتين البابلية والآشورية الحديثة.

كما أسفرت الحفريات عن اكتشاف غرف سكنية ومجموعتين من القبور المستطيلة المبنية بالحصى والجص، وتتجه جميعها نحو الشرق.

ضمت الطبقة السفلية الأقدم هياكل عظمية وُجد في أحدها صليب صغير من الصدف، مما يدل بوضوح على انتمائها إلى حقبة تسبق العهد الإسلامي.

 

ورغم هذا السجل التاريخي الحافل بالانتصارات والمصائب، لم يتبق من الشواخص البارزة للقلعة على سطح الأرض اليوم سوى بعض الأسس الحجرية والجدران المتهدمة الملتصقة بآثار المدينة القديمة.

ويُعد جدار بوابتها من الجهة الجنوبية الغربية، الذي يُعرف محلياً باسم “عش اللقلق”، إلى جانب جزء من أساسها الحجري في الركن الجنوبي، أبرز ما تبقى من هذا الصرح العتيد الذي لا يزال يروي قصة مدنيات توالت ثم اندرست.

البوابة الجنوبية لقلعة تكريت

زر الذهاب إلى الأعلى