الأربعاء 1448/01/09هـ (24-06-2026م)
الرئيسية » جولة في التراث » الأردن » غير مادي » العادات الاجتماعية والطقوس والاحتفالات » الكحل العربي تراث ثقافي يجمع بين الزينة والممارسة اليومية في المجتمعات العربية

الكحل العربي تراث ثقافي يجمع بين الزينة والممارسة اليومية في المجتمعات العربية

يُعد الكحل العربي من الممارسات التراثية المرتبطة بالحياة اليومية في عدد كبير من المجتمعات العربية، وقد ارتبط استخدامه عبر فترات تاريخية طويلة بالسكان في البيئات البدوية والريفية ومجتمعات الأهوار والصيد، كما استُخدم بين الرجال والنساء والأطفال لأغراض متعددة تشمل الزينة والعناية بالعين والحماية من العوامل البيئية المختلفة، وتؤكد المصادر التاريخية أن استعمال الكحل عُرف في المنطقة العربية منذ عصور قديمة وظل حاضراً في الحياة الاجتماعية حتى الوقت الحالي.

انتقال المعرفة وصناعة الكحل بين الأجيال

اعتمدت صناعة الكحل العربي عبر الأجيال على المعارف المحلية التي تناقلتها الأسر داخل المنازل، وكانت النساء يقمن بدور رئيسي في تحضير الكحل وحفظ وصفاته التقليدية، وانتقلت طرق التصنيع من الأمهات والجدات إلى الأبناء والأحفاد من خلال الممارسة المباشرة والمشاركة في التجمعات العائلية والاجتماعية، كما اختلفت مكونات الكحل وأساليب تحضيره من منطقة إلى أخرى وفقاً للموارد المتاحة والعادات المتوارثة في كل مجتمع.

ارتبط تحضير الكحل بمناسبات اجتماعية مختلفة، فكان يُستخدم في الحياة اليومية كما حضر في حفلات الزواج والمناسبات الأسرية وبعض الطقوس الدينية، وشكّل جزءاً من الممارسات المرتبطة بالعناية الشخصية، واستمرت هذه العادة في العديد من المناطق العربية رغم التغيرات التي شهدتها أنماط الحياة خلال العقود الأخيرة.

المكحلة ودورها في حفظ الموروث التقليدي

احتفظت الأسر العربية بالكحل داخل أوعية خاصة عُرفت باسم المكحلة، وهي أوعية صُنعت بأشكال متنوعة وفقاً للبيئة المحلية والحرف التقليدية السائدة، كما انتقلت بعض المكاحل بين أفراد الأسرة عبر أجيال متعاقبة، وأصبحت جزءاً من المقتنيات العائلية التي ترتبط بالذاكرة الاجتماعية والتاريخ الشخصي للأسر.

الكحل العربي على قائمة اليونسكو.. توثيق جديد لجماليات التراث العراقي

واستخدمت المكحلة كأداة أساسية في تطبيق الكحل على العين، كما عكست في كثير من الأحيان مهارات الحرفيين المحليين في صناعة المعادن والخشب والخزف، وساهم وجودها في المنازل العربية في الحفاظ على جانب من التراث المادي المرتبط بالكحل، إلى جانب استمرار الممارسة نفسها بوصفها عنصراً من عناصر التراث غير المادي.

مثّل الكحل العربي أكثر من مجرد مادة للتزيين، إذ ارتبط في عدد من المجتمعات بمفاهيم الحماية والعناية بالعين، كما حمل دلالات ثقافية واجتماعية متصلة بالهوية والانتماء، وظهرت هذه الدلالات في الأمثال الشعبية والروايات الشفوية والعادات المتوارثة التي استمرت في مناطق متعددة من العالم العربي.

إدراج الكحل العربي على قائمة اليونسكو

شهد عام 2025 خطوة مهمة في مسار حماية هذا الموروث الثقافي، إذ أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو” الكحل العربي ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية، وجاء الإدراج من خلال ملف مشترك ضم العراق والأردن وليبيا وسلطنة عُمان وفلسطين والمملكة العربية السعودية وسورية وتونس والإمارات العربية المتحدة.

يعكس هذا الإدراج الاعتراف الدولي بالقيمة الثقافية للكحل العربي بوصفه ممارسة اجتماعية وحرفة تقليدية ما زالت حاضرة في حياة المجتمعات المحلية، كما يدعم الجهود الرامية إلى توثيق المعارف المرتبطة به وتشجيع نقلها إلى الأجيال الجديدة، بما يضمن استمرار هذا العنصر التراثي ضمن السياق الثقافي العربي.

تُعد الدول العربية المشاركة في ملف الإدراج من أبرز الدول التي ما زالت تحتفظ بتقاليد استخدام الكحل وصناعته، كما تنتشر هذه الممارسة بدرجات متفاوتة في دول عربية أخرى ارتبطت تاريخياً باستخدام الكحل ضمن العادات اليومية والمناسبات الاجتماعية، وهو ما يعكس اتساع نطاق هذا الموروث الثقافي في المنطقة العربية.

يواصل الكحل العربي حضوره في الحياة المعاصرة باعتباره جزءاً من الموروث الثقافي المشترك بين الشعوب العربية، كما يساهم إدراجه على قائمة اليونسكو في تعزيز جهود الحفظ والتوثيق، ويؤكد مكانة هذا العنصر بوصفه أحد أشكال التراث الثقافي غير المادي الذي انتقل عبر الأجيال وحافظ على استمراريته حتى اليوم.

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار