الأربعاء 1448/01/09هـ (24-06-2026م)
الرئيسية » جولة في التراث » الأردن » غير مادي » الملابس » الزفة في الأعراس العربية تراث اجتماعي يجمع الأجيال والمجتمعات

الزفة في الأعراس العربية تراث اجتماعي يجمع الأجيال والمجتمعات

تمثل الزفة في المجتمعات العربية أحد أبرز عناصر التراث الثقافي غير المادي المرتبط بمراسم الزواج، إذ تُقام احتفالاً بانتقال العروس والعريس من مرحلة العزوبية إلى الحياة الزوجية، وقد حافظت على حضورها عبر أجيال متعاقبة بوصفها ممارسة اجتماعية تشارك فيها العائلات والأقارب وأفراد المجتمع.

وارتبطت الزفة بعادات وتقاليد متوارثة تختلف تفاصيلها من بلد إلى آخر ومن منطقة إلى أخرى، إلا أن جوهرها ظل قائماً على التجمع والمشاركة الجماعية وإعلان الزواج وسط أجواء احتفالية، كما شكلت وسيلة للتعبير عن قيم الترابط والتعاون داخل المجتمع.

بدأت مراسم الزفة في كثير من المجتمعات العربية باستعدادات تسبق يوم الزفاف، حيث تخضع العروس لطقوس متعارف عليها تشمل وضع الحناء وتجهيز الملابس والحلي والزينة الخاصة بالمناسبة، بينما يجري إعداد العريس للمشاركة في الموكب الاحتفالي وفق الأعراف المحلية السائدة.

رقم 18217

وتضمنت الزفة عدداً من الممارسات الرمزية التي ارتبطت بالمعتقدات والعادات الاجتماعية في كل مجتمع، إذ شملت بعض الطقوس تقديم الحليب أو ارتداء عباءة أحد أفراد العائلة أو تنفيذ ممارسات أخرى تهدف إلى الدعاء للزوجين بحياة مستقرة، وقد اختلفت هذه الطقوس بحسب البيئة الاجتماعية والثقافية.

كما اعتمدت الزفة على الموكب الجماعي الذي يرافق العروسين خلال الاحتفال، حيث تتقدم الموسيقى والأهازيج الشعبية المشهد، بينما يشارك أفراد العائلة والأصدقاء والجيران في الموكب، كما تتخلله الهتافات والأغاني ونثر الحلوى أو الزهور وفق ما هو متبع في كل منطقة.

شاركت فئات المجتمع كافة في هذه المناسبة، إذ يؤدي كبار السن دوراً في الحفاظ على العادات ونقلها، بينما تتولى النساء تجهيز مراحل الاحتفال المختلفة، ويشارك الشباب في مرافقة العروسين وتنظيم تفاصيل الموكب، كما يسهم الفنانون الشعبيون والحرفيون في إعداد الملابس والزينة والأغاني المرتبطة بالمناسبة.

وساهمت الزفة في تعزيز العلاقات الاجتماعية داخل المجتمعات المحلية، إذ أتاحت فرصة لاجتماع أفراد العائلة والأقارب والجيران في مناسبة واحدة، كما دعمت قيم الضيافة والتعاون والتكافل التي ارتبطت تاريخياً بالمناسبات الاجتماعية الكبرى.

رقم 18218

انتقلت تقاليد الزفة من جيل إلى آخر بوسائل متعددة، حيث تعلمها الأبناء من خلال المشاركة المباشرة في حفلات الزواج، كما ساعدت الأنشطة الثقافية والمدارس والبرامج المجتمعية في تعريف الأجيال الجديدة بهذه الممارسات والمحافظة على استمراريتها.

ارتبطت الزفة بأشكال متعددة من الفنون الشعبية، إذ تضمنت الغناء الجماعي والرقصات التقليدية والعزف على الآلات الموسيقية المحلية، كما وفرت مساحة لإبراز الملابس التراثية والحرف المرتبطة بالمناسبات الاجتماعية في عدد من الدول العربية.

واشتهرت بهذا التراث دول عربية عدة، من بينها الأردن والعراق والإمارات العربية المتحدة وموريتانيا والصومال وجيبوتي وجزر القمر، كما توجد أشكال متنوعة من الزفة في مصر والسعودية وسلطنة عُمان واليمن ودول عربية أخرى، مع اختلاف التفاصيل والعناصر الفنية من مجتمع إلى آخر.

ساهمت الزفة في الحفاظ على جانب من الذاكرة الاجتماعية للمجتمعات العربية، إذ ارتبطت بمناسبات الزواج التي تعد من أهم المناسبات العائلية، كما عكست طبيعة العلاقات الاجتماعية السائدة وأساليب الاحتفال التي استمرت عبر فترات زمنية طويلة.

أدرجت منظمة اليونسكو الزفة في حفل الزفاف التقليدي على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية عام 2025، وذلك من خلال ملف مشترك قدمته الأردن والعراق والإمارات العربية المتحدة وموريتانيا والصومال وجيبوتي وجزر القمر، باعتبارها ممارسة ثقافية تعكس قيماً اجتماعية مشتركة بين هذه المجتمعات.

رقم 18220

استند قرار الإدراج إلى أهمية العنصر في نقل المعرفة والعادات المرتبطة بالزواج، وإلى دوره في تعزيز الروابط الاجتماعية بين أفراد المجتمع، كما رأت اليونسكو أن الزفة تمثل نموذجاً للتراث الحي الذي ما زال يمارس بصورة مستمرة داخل المجتمعات المشاركة في الملف.

أكدت وثائق الترشيح أن الزفة لا تقتصر على كونها احتفالاً بالمناسبة، بل تشمل مجموعة من الممارسات والمهارات والمعارف المرتبطة بالموسيقى والغناء والملابس والطقوس الاجتماعية، وهو ما يجعلها جزءاً من التراث الثقافي غير المادي الذي يعتمد على المشاركة المجتمعية في نقله واستمراره.

واصلت المجتمعات المحلية الحفاظ على هذا الموروث من خلال المشاركة الفعلية في المناسبات الاجتماعية، كما دعمت المؤسسات الثقافية والهيئات المعنية جهود التوثيق والتعريف بالعنصر وتنظيم الأنشطة التي تساهم في استمراره بين الأجيال الجديدة.

تعكس الزفة اليوم جانباً مهماً من التراث الشعبي العربي، إذ تجمع بين الممارسات الاجتماعية والفنون التقليدية والعادات المرتبطة بالزواج، كما تواصل أداء دورها بوصفها مناسبة يلتقي خلالها أفراد المجتمع للمشاركة في حدث عائلي يحافظ على استمرارية الموروث الثقافي عبر الأجيال.

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار