الأهازيج الشعبية المصرية لوداع الحجاج تراث متوارث عبر الأجيال
الأهازيج الشعبية للحجاج في مصر تراث حاضر رغم تغير الزمن
الأهازيج الشعبية المصرية لوداع الحجاج تراث ارتبط بمواسم السفر
تمثل الأهازيج الشعبية المرتبطة بالحج جانباً من التراث الثقافي المتوارث في مصر، إذ ارتبطت هذه الأغاني بموسم الحج منذ أزمنة طويلة، واستخدمها المصريون للتعبير عن مشاعر الوداع والاستقبال المرتبطة برحلة الحاج، كما حافظت الذاكرة الشعبية على كثير من نصوصها وألحانها التي انتقلت بين الأجيال في القرى والمدن.
وتناولت الأغاني الشعبية المصرية مختلف جوانب الحياة الاجتماعية والدينية، حيث وثقت المناسبات والأعياد والأفراح والأحداث العامة، وكان الحج من أبرز المناسبات التي ارتبطت بهذا التراث، فظهرت أغانٍ خاصة بمرحلة السفر وأخرى خاصة بالعودة، وأصبحت جزءاً من العادات التي صاحبت الحجاج وأسرهم.
أغاني التحنين وبداية رحلة الحاج
وتبدأ طقوس الغناء الشعبي المرتبطة بالحج منذ إعلان اختيار الحاج لأداء الفريضة، حيث كانت السيدات يرددن ما يعرف بأغاني التحنين أو حنون الحجاج، وهي أغانٍ ارتبطت بتوديع الحاج وإشعاره بمكانته بين أسرته وأقاربه وجيرانه قبل مغادرته إلى الأراضي المقدسة.
وارتبطت هذه الأغاني في الماضي بواقع اجتماعي كان يجعل رحلة الحج تستغرق فترات طويلة مقارنة بالوقت الحالي، كما ارتبط الحج في كثير من المناطق بكبار السن الذين كانوا يسعون إلى أداء الفريضة في مراحل متقدمة من العمر، ولذلك جاءت كلمات الأغاني حاملة لمعاني العودة والاجتماع بالأهل بعد انتهاء الرحلة.
وكانت السيدات يتجمعن في المنازل أو الساحات القريبة من بيوت الحجاج لترديد هذه الأهازيج، بينما يشارك أفراد الأسرة والجيران في تجهيزات السفر، وتحولت الأغاني إلى وسيلة اجتماعية تعبر عن مشاركة المجتمع المحلي في هذه المناسبة الدينية.
زفة الحجاج في القرى والأقاليم
وشكلت زفة الحجاج إحدى أبرز المظاهر الشعبية المرتبطة بموسم الحج في القرى المصرية ومحافظات الصعيد، حيث كان الحاج يغادر وسط موكب يضم أفراد أسرته وأقاربه وأهالي المنطقة، وترفع خلاله الرايات البيضاء بينما تتردد الأغاني والأهازيج التقليدية.
وحفظت الذاكرة الشعبية عدداً من الأغاني التي ارتبطت بهذه المناسبة، ومنها أغنيات مثل “رايحة فين يا حاجة يا أم شال قطيفة”، و”اركبي يا حاجة وردي غطاكي ما يرعبكيش المالح”، و”يا وابور السفر لأحني قلوعك سيد المرسلين يكتب رجوعك”، وهي نصوص ظلت متداولة في بعض المناطق حتى الوقت الحاضر.
وتراجعت بعض مظاهر هذه الزفات مع تطور وسائل النقل وتغير أنماط الحياة في المدن، إلا أن عدداً من القرى لا يزال يحتفظ بجزء من هذه العادات، كما بقيت الأغاني الشعبية الخاصة بالحج حاضرة في المناسبات العائلية المرتبطة بالسفر إلى الأراضي المقدسة.
وعند عودة الحاج كانت تبدأ مرحلة أخرى من الاحتفال الشعبي، حيث تُزين واجهات المنازل برسوم مستوحاة من رحلة الحج، وتظهر فيها الكعبة المشرفة والطائرة والسفينة والجمل، إلى جانب عبارات التهنئة التي تشير إلى إتمام الفريضة والعودة إلى الوطن.
وكانت هذه الرسومات تنفذ على جدران المنازل في العديد من المحافظات المصرية، ولا تزال نماذج منها موجودة في بعض قرى الصعيد والريف المصري، حيث ينظر إليها بوصفها جزءاً من الذاكرة المرتبطة بالحج والعادات الشعبية المصاحبة له.
وكانت بعض الأسر تنظم احتفالات عند عودة الحاج يشارك فيها المداحون والمنشدون الشعبيون، وتقدم خلالها الأناشيد الدينية وأغاني المديح النبوي، بينما يجتمع الأهالي لتقديم التهاني واستقبال العائد من رحلته.
حضور التراث في الذاكرة الشعبية واليونسكو
ويستمر هذا التراث في الحضور داخل الذاكرة المصرية رغم تراجع بعض مظاهره التقليدية، حيث تشهد مواقع التواصل الاجتماعي مع بداية كل موسم حج تداول صور ورسوم وأغانٍ مرتبطة بالحجاج، كما يعبر كثير من المواطنين عن رغبتهم في إحياء بعض الطقوس الشعبية القديمة الخاصة بالوداع والاستقبال.
وانتقلت بعض عناصر هذا التراث من المجال الشعبي إلى الإنتاج الفني، فظهرت أعمال غنائية ارتبطت بالحج، من بينها أغنية “يا رايح للنبي الغالي” التي قدمتها ليلى مراد، وأغنية “إلى عرفات”، وأغنية “القلب يعشق كل جميل” التي غنتها أم كلثوم، وأصبحت هذه الأعمال جزءاً من الذاكرة المرتبطة بموسم الحج.
وتشتهر مصر بهذا النوع من التراث الشعبي المرتبط بالمناسبات الدينية، كما توجد تقاليد مشابهة في السعودية، السودان والمغرب وتونس والجزائر، حيث ارتبطت مواسم الحج بأغانٍ وأهازيج وعادات شعبية متوارثة.
ولا يوجد إدراج مستقل للأهازيج الشعبية المصرية الخاصة بوداع الحجاج ضمن قوائم التراث الثقافي غير المادي لدى منظمة UNESCO حتى الآن، إلا أنها تندرج ضمن الموروث الشعبي الشفهي والعادات الاجتماعية التي تمثل جانباً من التراث الثقافي غير المادي في مصر، وتحظى باهتمام الباحثين المتخصصين في الفولكلور والتراث الشعبي.
