الخميس 1448/04/06هـ (17-09-2026م)
التراث المادي (الآثار)

سامراء.. حاضرة العباسيين وشاهدة الحضارات عبر العصور

رياض الجابر – مؤرخ وإعلامي – العراق

تعد مدينة سامراء إحدى أبرز المدن العراقية الواغلة في القدم، فهي ليست مجرد عاصمة عباسية أثرية فحسب، بل هي محطة تاريخية ودينية إذ تحتضن مرقدي الإمامين علي الهادي والحسن العسكري (عليهما السلام) ، فضلاً عن كونها موضعاً بارزاً للسياحة التاريخية العالمية لاحتضانها المئذنة الملوية الشهيرة.

الموقـع الجغرافي والفلكي

تقع سامراء على الضفة الشرقية لنهر دجلة، مابين مدينتي بلد وتكريت ، وتبعد عن العاصمة بغداد نحو 118 كم شمالاً. يمثل موقعها خطاً انتقالياً فريداً بين السهل الرسوبي (أراضي الدلتا العراقية) والمنطقة المتموجة (أراضي الجزيرة الفراتية). فلكياً، تقع المدينة في الإقليم الرابع ، وقد وصفها الجغرافيون القدامى كابن حوقل بأنها مدينة تمتد لسبعة فراسخ على شاطئ دجلة.

التأسيس والازدهار العباسي

اختطت سامراء عام 221 هجرية (836 ميلادية) بإشراف مباشر من الخليفة العباسي المعتصم بالله ، لتكون عاصمة جديدة للخلافة بديلاً عن بغداد التي ضاقت بجنده من العنصر التركي.

وقد جلب المعتصم لبنائها أعظم المهرة والفنيين والبنائين من مختلف الأقطار الإسلامية ، واستمر الإعمار في عهد الواثق والمتوكل ، حتى امتدت المدينة لعدة أميال وضمت ثكنات شاسعة للجند وقصوراً فخمة ومساجد جامعة. وبقيت سامراء تزهو بدورها الحضاري البارز لنحو نصف قرن، حتى هجرها الخليفة المعتمد على الله عائداً إلى بغداد عام 279 هجرية.

الجذور التاريخية والتحول الحضري

أثبتت التنقيبات الأثرية أن سامراء العباسية قامت فوق ركام مستوطنات وقرى تعود إلى عصور ما قبل التاريخ. ومن أبرزها:

  • تل الصوان: يعود إلى العصر الحجري المعدني (منتصف الألف السادسة قبل الميلاد) ، وفيه كُشفت أقدم قرية زراعية وخندق دفاعي، بجانب التماثيل والأواني المرمرية وفخار “دور سامراء” الشهير.
  • أدوار تاريخية متعاقبة: شهدت المنطقة حضوراً في العصور الآشورية والبابلية الحديثة تحت أسماء مثل (سر-مرات) ، والصيغة الرومانية (سوميرة) عام 363 م.

بعد رحيل الخلفاء، شهدت المدينة تراجعاً كبيراً واكتسحها الخراب نتيجة الغزوات المتلاحقة كالمغول والتتار والجلائريين. وتحولت إلى قرية صغيرة التفتت حول مرقد الإمامين الشريفين. وفي العهد العثماني، أصبحت قضاءً تابعاً لولاية بغداد ونظمت إدارياً في عهد الوالي مدحت باشا. وفي منتصف السبعينيات (فبراير 1976)، فك ارتباطها عن بغداد لتصبح تابعة لمحافظة صلاح الدين المستحدثة آنذاك.

أبرز المعالم التاريخية والأثرية

تزخر سامراء اليوم بشواخص معمارية فريدة تعكس عصر الإسلام الذهبي ، ومن أهمها:

  1. المسجد الجامع والمئذنة الملوية

شيده الخليفة المتوكل (234 – 237 هـ) ، وكان يُعد أكبر جامع في العالم الإسلامي في زمنه. يمتاز بمئذنته الملوية الفريدة ذات البدن الحلزوني الذي يدور عكس عقارب الساعة بارتفاع يبلغ 50 متراً ، وهو طراز معماري مستوحى من فكرة الأبراج والزقورات القديمة.

  1. قصر الجوسق الخاقاني (دار العامة)

بناه المعتصم ليكون مقراً رئيسياً للخلافة وداراً لسكنه. يُعد أضخم القصور العربية الإسلامية، حيث يمتد على مساحة 175 هكتاراً. اشتهر بـ”باب العامة” حيث كان الخليفة يجلس لسماع شكاوى الناس ، ويضم قاعة العرش والبركة الدائرية الشهيرة.

  1. مدينة المتوكلية وجامع أبو دلف

محلة استحدثها الخليفة المتوكل شمال سامراء بتخطيط هندسي مستطيل. تضم قصر الجعفري ، وجامع “أبو دلف” الذي يتميز بمئذنته الملوية الصغيرة ذات الثلاث دورات ، وسوره الداخلي الذي لا يزال محافظاً على معالمه.

  1. قصر العاشق (المعشوق)

شيده الخليفة المعتمد على الله في الجانب الغربي لنهر دجلة. وهو قصر مستطيل الشكل يتألف من طابقين ومحاط بخندق واسع ، ويتميز بإتقان هندسته البصرية المعمارية.

  1. شواخص أثرية أخرى
  • القبة الصليبية: مبنى مثمن الأضلاع يُعتقد أنه أقدم ضريح إسلامي قائم يضم رفات عدد من الخلفاء العباسيين.
  • سور القادسية: حصن مثمن من اللبن يرجع تاريخه الأصلي إلى فترات قديمة وأعيد إحياؤه في العهدين الساساني والعباسي.
  • مشروع النهروان والقاطول: شبكة قنوات مائية إستراتيجية قديمة لفرعي دجلة تم تطويرها عبر العصور لإرواء الأراضي.
  • تل العليق (المخالي): تل اصطناعي مخروطي محاط بخندق، كان يُستخدم للإشراف العسكري.

إن مدينة سامراء، بما تمتلكه من عمق تاريخي يمتد من العصور الحجرية مراداً بالخلافة العباسية وصولاً إلى حاضرها العبق بالقدسية والأصالة ، تظل سفيرة دائمية للحضارة الإنسانية على أرض الرافدين.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار