يقع موقع مستوطنة عوالي النفطية في المحافظة الجنوبية بمملكة البحرين، وتضم هذه المستوطنة التاريخية نحو 400 مبنى تم تشييدها على هضبة فوق سهل المغيدرات شمال جبل دخان، حيث شهد هذا الموقع اكتشاف النفط واستغلاله للمرة الأولى في شبه الجزيرة العربية.
وأسست شركة نفط البحرين بابكو هذه المستوطنة عام 1934، وتعتبر أقدم مخيم نفطي حديث في الخليج العربي، حيث وفرت بيئة سكنية وعملية متكاملة لخبراء النفط والفنيين الذين تولوا إدارة هذه الصناعة الناشئة منذ بداياتها، وتوفرت فيها كل المرافق اللازمة.
وتتوزع المساكن في أحياء ذات أحجام متنوعة تخدم فئات الموظفين المختلفة، وتوجد بها مرافق عامة تشمل كنيسة ومستشفى يضم عيادات متخصصة وأجنحة ولادة، بالإضافة إلى مكتب بريد ومدرسة مختلطة وسوبر ماركت ومكتبة عامة ومرافق ترفيهية كالملاعب والنوادي.
وتمتلك عوالي سجلات تقنية متقدمة في تاريخ التحديث الإقليمي، إذ شهدت في خمسينيات القرن العشرين تركيب أول نظام تكييف مركزي في العالم لمستوطنة بأكملها، بالإضافة إلى أول نظام صرف صحي مركزي في منطقة الخليج العربي، وهو ما جعلها نموذجاً للتقدم.
ويلاحظ الزائر احتفاظ المستوطنة بتصميمها العمراني منذ خمسينيات القرن الماضي، حيث حافظت المباني العامة والخاصة على طابعها الأصلي وأثاثها الداخلي، وتعيش فيها حالياً عائلات بحرينية ومجتمعات متنوعة، وتستمر وظيفتها السكنية في خدمة السكان على الرغم من التغيرات الصناعية والاقتصادية.
التبرير التراثي والموقف الدولي
ويعتبر التخطيط العمراني لمستوطنة عوالي مستوحى من حركة المدن الحدائقية الأوروبية، مما شكل تغييراً جذرياً عن تقاليد الاستيطان في الواحات المحلية، وعكس التخطيط مرحلة بداية التحديث المرتبط بقطاع النفط في الخليج العربي، وساهم في صياغة مفاهيم جديدة للسكن المجتمعي.
ويشهد تاريخ المستوطنة على عمليات تحديث واسعة النطاق خلال أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين، حيث أدت هذه العمليات إلى توفير خدمات متطورة كانت غير مسبوقة، وساهمت في تغيير نمط الحياة للمقيمين داخلها وخارجها، وتعتبر هذه التطورات جزءاً من القيمة العالمية للموقع.
وتشترك دول عربية مثل المملكة العربية السعودية والكويت وقطر في هذا النوع من التراث الصناعي، حيث توجد مخيمات مشابهة مثل الظهران والأحمدي ودخان، وتعتبر عوالي أقدمها زمنياً حيث بدأ إنشاؤها عام 1934، واستخدمت كنموذج مفاهيمي لبناء المخيمات الأخرى في المنطقة.

ويقدم ملف ترشيح المستوطنة لليونسكو مبررات تستند إلى المعيارين 2 و4، حيث تُعد أوالي نموذجاً أولياً لمستوطنات الخبراء الوافدين، وتجسد بدايات التغيير التكنولوجي والاجتماعي في منطقة الخليج العربي، وتعتبر بوابة نحو النماذج الاجتماعية والثقافية التي رافقت التطور الصناعي.
وتسعى وزارة الثقافة في مملكة البحرين حالياً لتعزيز ملف الإدراج ضمن قائمة التراث العالمي، وتستند في ذلك إلى الحفاظ على سلامة الموقع وأصالته، وكونه شاهداً على التطور التاريخي للصناعة النفطية، وتعمل الجهات الرسمية على تأمين كافة المتطلبات اللازمة لاستيفاء معايير المنظمة الدولية.
القيمة الاستثنائية والنزاهة
وتمثل المستوطنة وفقاً للتقارير الفنية تجربة فريدة في التداخل بين الثقافة الأجنبية والبيئة المحلية، حيث لم تظل منطقة منعزلة بل حفزت التفاعل المستمر مع المجتمع البحريني، وزادت نسبة السكان المحليين فيها بمرور الزمن، مما عزز من دورها الاجتماعي والثقافي في المجتمع المعاصر.
ويؤكد الخبراء أن الموقع يتمتع بحالة جيدة من الأصالة والنزاهة، حيث تقع المستوطنة في حدودها الأصلية المرسومة عام 1949، وتحافظ معظم مبانيها على وظيفتها الأصلية وتصميمها الخارجي والداخلي الذي يعود لفترة التأسيس، وتظل المواد الإنشائية والحرفية المستخدمة شاهداً على دقة العمل.
وتخضع التعديلات الضرورية لضمان الراحة والأمان لمعايير دقيقة تحترم النسيج التاريخي، وتتم هذه الأعمال بوعي مجتمعي كبير للحفاظ على طابع المستوطنة وتجنب أي تأثيرات سلبية قد تنجم عن التوسع العمراني المحيط، وتستفيد المستوطنة من موقعها البعيد عن ضغوط التنمية العمرانية الكثيفة.
ويوفر الموقع سرداً شاملاً للحياة في مخيمات النفط الأولى في الفترة من ثلاثينيات إلى خمسينيات القرن العشرين، وتعتبر عوالي اليوم مورداً ثقافياً هاماً يساهم في فهم التطور الاجتماعي والاقتصادي الذي شهدته المنطقة، ويدعم هذا التنوع في المرافق استدامة استخدام الموقع للأغراض السكنية والترفيهية.
ويشير سجل التراث الصناعي إلى أن عوالي ليست مجرد مجمع سكني قديم، بل هي بوابة تاريخية لفهم كيفية دخول التقنيات الحديثة إلى شبه الجزيرة العربية، وتظل شاهداً حياً على إرث صناعي يتجاوز الحدود الوطنية، وتستمر المبادرات الوطنية لحمايتها كجزء لا يتجزأ من التراث الصناعي العالمي.
