الأربعاء 1448/01/09هـ (24-06-2026م)
الرئيسية » جولة في التراث » العراق » غير مادي » العادات الاجتماعية والطقوس والاحتفالات » لعبة المحيبس العراقية تراث رمضاني يجمع المجتمع حول الفراسة والتنافس الشعبي

لعبة المحيبس العراقية تراث رمضاني يجمع المجتمع حول الفراسة والتنافس الشعبي

تُعد لعبة المحيبس واحدة من أشهر الألعاب الشعبية المرتبطة بشهر رمضان في العراق، وقد حافظت على حضورها في الأحياء والمدن العراقية عبر أجيال متعاقبة، حتى أصبحت جزءاً من المشهد الاجتماعي الرمضاني الذي يجمع اللاعبين والجمهور في لقاءات تستمر لساعات طويلة، وتستند اللعبة إلى مبدأ البحث عن خاتم صغير يُخفى بين أيدي أعضاء أحد الفريقين، بينما يعتمد الفريق المنافس على الفراسة ودقة الملاحظة لاكتشاف مكانه.

يرجع اسم اللعبة إلى كلمة “محبس” التي تعني الخاتم، فيما يطلق عليها بعض العراقيين اسم “البات”، في إشارة إلى عملية إخفاء الخاتم بين اللاعبين، وتشير روايات المؤرخين والمهتمين بالتراث الشعبي العراقي إلى أن اللعبة متوارثة منذ زمن بعيد، إلا أن المصادر التاريخية لا تحدد تاريخاً دقيقاً لبدايتها، وهو ما أشار إليه عدد من الباحثين في التراث الشعبي العراقي ومن بينهم المؤرخ طه الهاشمي في مذكراته المتعلقة بالحياة الاجتماعية في بغداد.

إحدى فرق «المحيبس» يخبئون الخاتم بكف أحد اللاعبين بسرية تامة حتى أن أعضاء بقية الفريق لا يعلمون بها (رويترز)

تُلعب المحيبس بين فريقين قد يضم كل منهما عشرات اللاعبين، وقد يصل العدد في بعض المباريات الكبرى إلى مئات المشاركين، وتبدأ المنافسة بعد حصول أحد الفريقين على الخاتم، حيث يُخفى في يد أحد اللاعبين بسرية تامة، ثم يبدأ ممثل الفريق الآخر بمحاولة تحديد الشخص الذي يحمل الخاتم من خلال مراقبة الوجوه وحركات الأيدي وردود الأفعال.

تعتمد اللعبة على نظام النقاط، إذ يحصل الفريق الذي ينجح في اكتشاف مكان الخاتم على نقطة تضاف إلى رصيده، بينما تستمر الجولات حتى الوصول إلى عدد النقاط المتفق عليه مسبقاً، والذي يكون في كثير من البطولات 21 نقطة، وتستغرق بعض المباريات عدة ساعات بسبب كثرة المشاركين وتقارب مستويات الفرق المتنافسة.

الخاتم محور المنافسة بين الفرق الشعبية

ارتبطت لعبة المحيبس بمفهوم الفراسة الشعبية، إذ يُعرف داخل كل فريق شخص يطلق عليه “كشاف الخاتم”، وهو المسؤول عن تحديد مكان المحبس بين أيدي الخصوم، ويحتاج هذا الدور إلى خبرة طويلة في قراءة تعبيرات الوجه وملاحظة التصرفات التي قد تصدر عن حامل الخاتم أثناء المباراة.

رافق اللعبة عدد من الأهازيج والأغاني التراثية العراقية التي تُردد خلال المنافسات، كما يحضر الجمهور بأعداد كبيرة لمتابعة المباريات وتشجيع الفرق، وتشكل هذه الأجواء جانباً مهماً من الموروث الشعبي المرتبط بالمحيبس، حيث تتحول المباراة إلى مناسبة اجتماعية يشارك فيها أبناء الأحياء والمناطق المختلفة.

وتختتم المباريات التقليدية غالباً بتقديم الحلويات العراقية المعروفة مثل البقلاوة والزلابية، ويتحمل الفريق الخاسر في كثير من الأحيان تكلفة الضيافة، وهو تقليد استمر في العديد من المناطق العراقية لسنوات طويلة، وأسهم في تعزيز العلاقات الاجتماعية بين المشاركين.

ما هي لعبة المحيبس العراقية؟ - BBC News عربي

المحيبس من الأحياء البغدادية إلى البطولات الرمضانية

شهدت العقود الأخيرة انتقال اللعبة من نطاق الأحياء الشعبية إلى بطولات منظمة تُقام خلال شهر رمضان، حيث تشارك فرق تمثل مناطق ومدناً عراقية مختلفة، وتتنافس فرق معروفة من بغداد ومحافظات أخرى ضمن مسابقات تستمر طوال الشهر، فيما تُقام المباراة النهائية مع اقتراب عيد الفطر.

برز خلال تاريخ اللعبة عدد من الأسماء التي ارتبطت بها، ويُعد جاسم الأسود من أشهر لاعبي المحيبس في العراق، حيث قاد فريق الكاظمية لسنوات طويلة وارتبط اسمه بقدراته في اكتشاف مكان الخاتم خلال المباريات الكبيرة، وتناقلت وسائل الإعلام العراقية قصصاً عديدة عن مشاركاته التي استمرت لعقود في البطولات الرمضانية.

أوضح الأسود في تصريحات صحفية سابقة أن نجاح اللاعب في هذه اللعبة يعتمد على الخبرة وقوة التركيز ومراقبة تصرفات اللاعبين، مشيراً إلى أن قراءة ردود الأفعال تشكل العنصر الأهم في عملية اكتشاف الخاتم بين أعداد كبيرة من المشاركين.

جهود الحفاظ على لعبة ارتبطت بالهوية الاجتماعية العراقية

ساهمت بطولات المحيبس في استمرار اللعبة وانتقالها إلى الأجيال الجديدة، كما شاركت مؤسسات ثقافية واجتماعية في توثيق تاريخها باعتبارها أحد عناصر التراث الشعبي العراقي المرتبط بشهر رمضان. ويواصل المهتمون بالتراث الدعوة إلى توثيق قواعد اللعبة ومراحل تطورها ضمن برامج الحفاظ على التراث غير المادي.

تشتهر العراق بشكل أساسي بلعبة المحيبس، بينما توجد ألعاب شعبية متقاربة في بعض الدول العربية مثل الأردن وعدد من دول الخليج العربي، إلا أن المحيبس يحتفظ بطابعه العراقي الخاص من حيث القواعد والأهازيج وأساليب المنافسة المرتبطة به.

وأدرجت منظمة اليونسكو “لعبة المحيبس” بالعراق والممارسات الاجتماعية والتقاليد المرتبطة بها في قائمة التراث الثقافي غير المادي.

وتمثل المحيبس اليوم نموذجاً للتراث الشعبي الذي يجمع بين الترفيه والتواصل المجتمعي، حيث تستمر المنافسات الرمضانية في استقطاب آلاف المشاركين والمشاهدين، بينما تواصل اللعبة حضورها بوصفها جزءاً من الذاكرة الثقافية والاجتماعية للعراقيين.

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار