الخميس 1448/01/10هـ (25-06-2026م)
الرئيسية » جولة في التراث » المملكة العربية السعودية » مادي » الآثار » قرية بران التراثية شاهد على أساليب السكن والزراعة القديمة

قرية بران التراثية شاهد على أساليب السكن والزراعة القديمة

تقع قرية بران التراثية في محافظة قلوة بمنطقة الباحة جنوب غربي المملكة العربية السعودية، وتنتشر مبانيها فوق قمم الجبال على مسافة تقارب 90 كيلومتراً من مدينة الباحة، وتشير المعلومات الموثقة إلى أن عمر القرية يقترب من 500 عام، ما يجعلها من المواقع التي تحتفظ بجانب من تاريخ الاستقرار البشري والعمراني في المنطقة.

تمثل القرية نموذجاً للعمارة التقليدية التي اعتمدت على الموارد المتاحة في البيئة المحلية، حيث شيد السكان مبانيهم باستخدام الأحجار الطبيعية وأخشاب السدر، كما استخدم حجر المرو الأبيض في تنفيذ الزخارف الهندسية التي تظهر على واجهات بعض المباني، إلى جانب النقوش المعمارية التي زينت الأبواب والنوافذ.

تظهر مباني القرية بأسلوب عمراني متقارب، إذ يصل ارتفاع عدد منها إلى ثلاثة وأربعة طوابق، وهو ما يعكس طبيعة البناء في القرى الجبلية التي سعت إلى الاستفادة من المساحات المتاحة فوق المرتفعات، كما ترتبط هذه المباني بشبكة من الطرق والممرات التي يتراوح عرضها بين 2 و3 أمتار.

تنتشر داخل القرية مجموعة من المدرجات الزراعية التي شكلت جزءاً أساسياً من حياة السكان على مدى سنوات طويلة، واعتمد الأهالي على هذه المدرجات في زراعة المحاصيل التي ساعدت في توفير احتياجاتهم اليومية، كما ارتبطت هذه المساحات الزراعية بالنشاط الاقتصادي والاجتماعي داخل القرية.

اعتمدت القرى الجبلية في منطقة الباحة على أسلوب البناء بالحجارة والأخشاب لملاءمته لطبيعة التضاريس والمناخ، وتعد قرية بران إحدى النماذج التي ما زالت تحتفظ بهذا الطابع العمراني، حيث تعكس مبانيها طرق البناء التي كانت سائدة في جنوب المملكة خلال فترات تاريخية متعاقبة.

قرية بران التراثية بمحافظة قلوة. (المركز الإعلامي لإمارة منطقة الباحة)

ارتبطت عناصر البناء في القرية بالمهارات المحلية التي تناقلتها الأجيال، إذ استخدمت الأحجار في تشييد الجدران والأساسات، بينما استعملت الأخشاب في الأسقف وبعض الأجزاء الداخلية، كما أسهمت الزخارف الحجرية في إبراز الهوية المعمارية الخاصة بالموقع.

تمثل قرية بران جانباً من التراث العمراني الذي يوضح طبيعة الحياة في المناطق الجبلية، حيث تكشف ممراتها الضيقة وتوزيع مبانيها عن أساليب التخطيط التي اعتمدها السكان قديماً لتحقيق الترابط بين المساكن والمناطق الزراعية ومرافق الحياة اليومية.

استقطبت القرية خلال السنوات الأخيرة أعداداً من الزوار المهتمين بالتراث العمراني والثقافي، كما أصبحت إحدى الوجهات التي يقصدها السياح من داخل المملكة وخارجها، خاصة خلال فصل الشتاء، حيث تتيح للزائر التعرف على نمط الحياة التقليدية الذي عرفته المنطقة عبر فترات طويلة.

شهدت مواقع التراث العمراني في المملكة اهتماماً متزايداً ضمن برامج التوثيق والحفاظ على التراث الثقافي، وفي هذا الإطار سجلت هيئة التراث قرية بران ضمن 25 موقعاً تراثياً عمرانياً في منطقة الباحة، وذلك في إطار مشروع يهدف إلى أرشفة ورقمنة المواقع التراثية وإدراجها في سجل وطني رقمي.

يسهم هذا التسجيل في توثيق الخصائص المعمارية والتاريخية للقرية، كما يدعم جهود الحفاظ على عناصرها العمرانية للأجيال القادمة، ويعزز عمليات الدراسة والبحث المتعلقة بتاريخ القرى الجبلية في جنوب المملكة العربية السعودية.

ولا تعد قرية بران مدرجة حالياً على قائمة التراث العالمي التابعة لمنظمة UNESCO، إلا أنها مسجلة ضمن السجل الوطني للتراث العمراني في المملكة العربية السعودية، وهو ما يمنحها وضعاً رسمياً ضمن منظومة المواقع التراثية التي تخضع للتوثيق والحماية على المستوى الوطني.

وتشتهر المملكة العربية السعودية بهذا النوع من التراث العمراني الجبلي، كما تنتشر نماذج مشابهة في عدد من الدول العربية مثل اليمن وسلطنة عُمان والمغرب، حيث اعتمدت المجتمعات الجبلية في هذه المناطق على البناء بالحجارة واستغلال التضاريس الطبيعية في إنشاء القرى والمستوطنات البشرية.

وتعكس قرية بران جانباً من تاريخ العمارة التقليدية في منطقة الباحة، وتوفر شواهد مادية على أساليب البناء والزراعة والحياة الاجتماعية التي عرفتها المجتمعات المحلية خلال القرون الماضية، كما تمثل سجلاً عمرانياً يوثق مرحلة مهمة من تاريخ القرى الجبلية في جنوب الجزيرة العربية.

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار