الأربعاء 1448/01/09هـ (24-06-2026م)
الرئيسية » جولة في التراث » فلسطين » مادي » المهارات الحرفية التقليدية » التطريز الفلسطيني.. وثيقة تاريخية حية ولغة بصرية مشفرة تروي حكاية الأرض

التطريز الفلسطيني.. وثيقة تاريخية حية ولغة بصرية مشفرة تروي حكاية الأرض

بدأت قصة التطريز الفلسطيني في جذور ضاربة في أعماق التاريخ، حيث تشير الآثار والمنحوتات الكنعانية إلى ممارسة هذا الفن منذ عصر الكنعانيين، خاصة في مجال نسج الأقمشة وصبغها بالألوان القرمزية والأرجوانية التي لا تزال حاضرة في التطريز الفلسطيني المعاصر، وتطورت هذه الحرفة عبر القرون، وبلغت ذروتها في القرنين التاسع عشر والعشرين مع ظهور الأثواب المطرزة التي بقيت محفوظة حتى اليوم.

واعتمدت المطرزات الفلسطينية في تشكيل رموزها على غرزة أساسية عُرفت بالقطبة الفلاحية أو غرزة التقاطع (الصاليب)، وكانت هذه الغرزة الأوسع انتشاراً في كافة القرى والمدن الفلسطينية، وتميزت منطقة بيت لحم بغرزة خاصة عرفت بالتحريري، التي انتشرت لاحقاً إلى قرى القدس واللد والرملة ويافا ورام الله، واستخدمت فيها خيوط الحرير والقصب المعدني.

تجلت الهوية المحلية في التطريز الفلسطيني من خلال تنوع الزخارف والألوان التي ميزت كل منطقة عن غيرها، فاشتهرت أثواب يافا واللد بنقوش شجر السرو، وعكست نقوش عرق الزيتون و سنابل القمح الارتباط الوثيق بالأرض والزراعة، وحملت الأثواب الخليلية كثافة في التطريز بألوان داكنة كالبني والبرتقالي، بينما تميزت أثواب رام الله باللون الأحمر القاني على قماش الكتان الأبيض.

شكلت كل قطعة من الثوب مساحة خاصة للتطريز تحمل اسماً تراثياً دقيقاً، فقد حملت القبة وهي فتحة الصدر النقوش الأكثر كثافة وتنوعاً وفقاً للقرية التي تنتمي إليها صاحبة الثوب، وجاءت الأكمام أو الردان واسعة ومثلثة في مناطق الخليل وبيت لحم لتسهيل الحركة والعمل، وطرزت البنايق وهي الجوانب المثلثة الشكل بخطوط عمودية تمنح الثوب اتساعاً، أما الداير وهو الحافة السفلية فطرز لحماية القماش من التآكل.

وكانت الأمهات الفلسطينيات يورثن أثوابهن لبناتهن، وتبدأ الفتاة في تطريز جهاز عرسها منذ سن الطفولة، حيث يستغرق الثوب الواحد من العمل اليدوي ما بين عدة أشهر إلى سنة كاملة، وتنوعت الغرز المستخدمة لتشمل غرز السلسلة والساتان والبطانية وعظم السمكة والعروة إلى جانب الغرزة المصلبة الأساسية.

إدراج التطريز الفلسطينيّ على قوائم "اليونسكو" للتراث الثقافيّ العالميّ

كما أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) فن التطريز الفلسطيني في عام 2021 ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، في خطوة اعترفت فيها بقيمته الرمزية والتاريخية الاستثنائية، وجاء هذا الإدراج بعد جهود فلسطينية لتوثيق هذا الفن وحمايته من محاولات السلب والتهويد التي استهدفت نسبته إلى جهات أخرى.

حمل التطريز الفلسطيني أبعاداً سياسية ووطنية متصاعدة بعد نكبة عام 1948، حيث تحول إلى رمز للمقاومة الثقافية والصمود في وجه النزوح والشتات، وأضيفت إليه رموز وطنية جديدة تعبر عن التمسك بالأرض والهوية، وانتشرت ممارسته في مخيمات اللجوء في الأردن ولبنان وسوريا ودول أخرى.

تنوعت الوحدات الزخرفية في التطريز الفلسطيني بين أشكال تجريدية وهندسية ورسومات نباتية، فضلاً عن رسومات الحيوانات والطيور كالأسد والديك والبط وطائر اللقلق، ومن أبرز هذه الوحدات السروة التي تشتهر بها منطقة يافا، وخيمة الباشا المرتبطة بالخليل، والعلقة برام الله وشمال القدس، وكأس النبيذ في اللد والرملة.

وتختلف ألوان التطريز بين المناطق الفلسطينية، حيث تميزت بئر السبع في النقب بالزهور الحمراء الزاهية على قماش داكن، واستخدمت الأرامل اللون الأزرق دلالة على الحزن والوقار، وتتميز أثواب غزة بالألوان الزاهية كالأحمر والبرتقالي والأزرق مع زخارف كبيرة على شكل أشكال هندسية وزهور ترمز للحيوية والجرأة.

يتجاوز التطريز الفلسطيني اليوم كونه زياً تقليدياً ليصبح رمزاً للهوية الوطنية، حيث تحرص الأجيال الجديدة على دمجه في الأزياء العصرية واللوحات الفنية والإكسسوارات، ليبقى حياً ومواكباً للعصر دون أن يفقد هويته الأصلية، ويعكس استمرارية التراث الفلسطيني وقدرته على التجدد في مواجهة التحديات.

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار