الأربعاء 1447/09/15هـ (04-03-2026م)
الرئيسية » جولة في التراث » ليبيا » مادي » الطعام » الكسكسي الليبي “بالطبيخ” مائدة الأصالة التي تجمع الأجيال

الكسكسي الليبي “بالطبيخ” مائدة الأصالة التي تجمع الأجيال

يُعد الكسكسي أيقونة المطبخ المغاربي بلا منازع، لكنه في ليبيا يتجاوز كونه مجرد وجبة ليصبح رمزاً ثقافياً واجتماعياً عميق الجذور، هنا، يُعرف الطبق باسم “الكسكسي بالطبيخ”، وهي تسمية تحمل في طياتها دلالة المرق الغني الذي يُميز النكهة الليبية عن جيرانها، ليرسم صورة لمائدة تجمع العائلة والأحبة في زمن الوفرة والاحتفاء.

فن صناعة حبات السِميد: مهارة متوارثة

تبدأ حكاية الكسكسي الليبي من حبات سميد القمح المفتول،هذه العملية، التي كانت في السابق مهمة نسائية بامتياز، هي بحد ذاتها تراث لا مادي، فالسميد لا يُقدم جاهزاً دائماً، بل يُفتل يدوياً بعناية فائقة، ويُرش بالماء والملح ثم يُغربل مراراً حتى تتشكل حباته المتجانسة،هذه الحبات تُركن لتجف، وتُصبح جاهزة لعملية الطهي الجوهرية: التبويخ، أو الطهي على البخار.

يُستخدم في هذه المرحلة إناء خاص مزدوج يُعرف باسم “الكسكاس” أو “القدر والكسكاس”،في القدر الأسفل يُطهى المرق الغني (الطبيخ)، وفي المصفاة العلوية (الكسكاس) تُوضع حبات الكسكسي لتنضج على بخار المرق، متشرّبةً النكهات والروائح العطرة للبهارات.

هذا التبويخ لا يتم لمرة واحدة، بل لمرتين أو ثلاث، مع سقاية السميد بالماء والتمليح بين كل مرحلة وأخرى لضمان نضجه الكامل وتماسك حباته دون أن تتعجن.

Category:Cuisine of Libya - Wikimedia Commons

“الطبيخ” الليبي: مرق القصص والنكهات

ما يمنح الكسكسي الليبي شخصيته الفريدة هو “الطبيخ” أو المرق المرافق، وهذا المرق غني ودسم، ويُطهى عادةً باللحم، سواء كان لحم الضأن الذي يُفضل في المناسبات، أو لحم الدجاج، بالإضافة إلى تشكيلة من الخضروات الجذرية والموسمية.

وتضم الخضروات الأساسية: الجزر، الكوسا، والبطاطا، مع إضافة أساسية هي الحمص المنقوع، وتلعب البهارات الليبية دور البطولة هنا، حيث تُضفي على المرق لوناً أحمراً مميزاً (بفعل معجون الطماطم) ومذاقاً حاراً إلى حد ما.

وعند التقديم، يُسقى الكسكسي بهذا الطبيخ الساخن، ويُزيّن بقطع اللحم والخضروات والحمص، وفي بعض المناطق يُضاف قليل من السمن البلدي لتسجيته ومنحه لمعاناً ونكهة إضافية.

الكسكسي “بالبصلة”: قصة عشق خاصة

من أشهر وألذ أنواع الكسكسي في ليبيا هو “الكسكسي بالبصلة”، هذا النوع يأخذ طابعاً احتفالياً خاصاً، ويتميز بوجود صلصة خاصة تُحضّر من كميات وفيرة من البصل المكرمل والحمص والقرفة والفلفل الأسود، وتُطهى منفصلة حتى تذوب شرائح البصل وتتحول إلى مزيج حلو-مالح يُسكب فوق الكسكسي واللحم، طبق “الكسكسي بالبصلة” هو جزء لا يتجزأ من الأعراس والمناسبات السعيدة الكبرى، ويُعد إكراماً خاصاً للضيوف الكرام.

رمز المائدة الجامعة والاحتفال

لا يُقدم الكسكسي في ليبيا كطبق عادي، بل هو سيد الموائد في الأعياد الدينية، حفلات الزفاف، المناسبات الاجتماعية الكبرى، وفي ولائم العزاء أيضاً، إنه طبق يُعبّر عن الكرم، التكافل، والوحدة. فتقديمه في طبق كبير مشترك يدعو إلى الاجتماع حوله، متقاسمين الطعام والحديث، مما يعزز الروابط الأسرية والاجتماعية.

إن الكسكسي الليبي “بالطبيخ” هو حارس للهوية، ومهارة تتناقلها الأمهات والجدات جيلاً بعد جيل، ومع سعي ليبيا لحماية هذا التراث المطبخي عبر تسجيله كجزء من التراث الثقافي اللامادي لدى اليونسكو، يبقى هذا الطبق العملاق شاهداً على تاريخ شمال إفريقيا الغني وعلى خصوصية المذاق الليبي الذي يصر على أن يكون للكسكسي نكهة ولون وحكاية لا تُنسى.

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار